تحصل المملكة العربية السعودية على أشعة شمس في شهر واحد أكثر مما تراه دول عديدة طوال العام. ومع ذلك، تكشف مجموعة كبيرة من الأبحاث الطبية عن مفارقة حقيقية: غالبية السعوديين يعانون نقصاً في فيتامين D، النوتري نفسه الذي يُفترض أن توفّره الشمس. وهذه ليست نتيجة طفيفة أو معزولة — بل تظهر باستمرار عبر دراسات تمتدّ عبر مدن وفئات عمرية وسنوات مختلفة، وفهم السبب يكشف شيئاً مهماً حول كيف فصلتنا الحياة الحديثة بهدوء عن مصدر صحي قديم.
حجم المشكلة
تابعت واحدة من أشمل الدراسات حول هذا الموضوع 22,335 شخصاً في مستشفى الملك خالد بمجمعة على مدى خمس سنوات، من 2017 إلى 2021. ووجدت أن 67.3% من السكان لديهم مستويات غير كافية أو ناقصة من فيتامين D — نحو 36% صُنِّفوا كناقصين، و3.3% إضافية وقعوا ضمن نطاق النقص الشديد. وتأثّرت النساء بشكل غير متناسب، إذ شكّلن ما يقارب 70% من جميع حالات النقص رغم تمثيلهنّ نسبة أصغر من المشاركين في الدراسة، وكانت الفئة العمرية الأكثر تأثّراً صغيرة بشكل مفاجئ: أظهرت الفئة من 10 إلى 19 عاماً أدنى متوسط لمستويات فيتامين D بين جميع الفئات المدروسة. وينسحب هذا النمط عبر البلاد: وجدت أبحاث منفصلة في الرياض معدّلات نقص وصلت إلى 87.8% بين الرجال، بينما وجدت دراسة مسحية وطنية متعدّدة المراحل نقصاً لدى 40.6% من الرجال السعوديين و62.65% من النساء السعوديات. وأبلغت دراسات في جدة والدمام وحائل جميعها عن نتائج مشابهة إلى حدّ كبير، بتقديرات انتشار تتراوح من نحو 65% إلى أكثر من 80% حسب الفئة السكانية المدروسة.
لماذا لا تتحوّل الشمس الوفيرة إلى فيتامين D؟
يكمن التفسير أقلّ في كمية أشعة الشمس المتاحة وأكثر في كيفية سير الحياة الحديثة فعلياً في مناخ حارّ. فتخليق فيتامين D يتطلّب تعرّض الجلد المباشر لأشعة UVB، وهناك عدة عوامل يومية في الخليج تعمل ضدّ ذلك: فالملابس التقليدية التي تغطّي معظم الجلد تقلّل بشكل كبير من مساحة السطح المتاحة للتخليق؛ والحرّ الشديد، خصوصاً خلال أشهر الصيف، يدفع الحياة اليومية إلى الداخل، إلى المنازل والمكاتب ومراكز التسوّق المكيَّفة، لجزء كبير من ساعات النهار؛ كما أن استخدام واقي الشمس الواسع والمُوصى به طبياً — الضروري لمنع تلف الجلد في بيئة أشعة فوق بنفسجية بهذه الشدّة — يحجب أيضاً كثيراً من إشعاع UVB اللازم لإنتاج فيتامين D. وتُفاقم التغذية هذه الفجوة، إذ إن المصادر الغذائية الطبيعية لفيتامين D — الأسماك الدهنية بشكل رئيسي ومنتجات الألبان المُدعَّمة — لا تُستهلَك دائماً بالكميات اللازمة لتعويض النقص الناتج عن التعرّض المحدود للشمس.
اتّجاه مشجّع، مع تحفّظ
وجدت الدراسة نفسها في مجمعة شيئاً مشجّعاً حقاً: انخفض انتشار النقص بشكل كبير خلال فترة الدراسة، من 32% عام 2017 إلى 9% فقط عام 2020، قبل أن يرتفع قليلاً إلى 18% عام 2021. ويشير هذا إلى أن جهود الصحة العامة والوعي المتنامي وزيادة التزوّد بالمكمّلات قد يكون لها أثر حقيقي وقابل للقياس — رغم أن الباحثين أنفسهم أشاروا إلى أن دراسة تركّز على منطقة مركزية واحدة لا ينبغي افتراض أنها تعمّم بشكل مثالي عبر جميع مناطق المملكة، وأن الطبيعة الاستعادية للبيانات تترك مجالاً لعوامل مساهمة أخرى لم تُلتقَط بالكامل.
لماذا يهمّ هذا خارج نطاق صحة العظام؟
الدور الأكثر شهرة لفيتامين D هو في امتصاص الكالسيوم وصحة العظام — علاقة تناولتها الأبحاث بعمق ضمن الوقاية من هشاشة العظام — لكن تأثيره يمتدّ إلى ما هو أبعد من الهيكل العظمي. فقد ربطت الأبحاث حالة فيتامين D بوظيفة المناعة، وارتبط النقص بمجموعة من الحالات الصحية الأخرى في أبحاث خاصة بالسعودية، بما فيها مخاوف أيضية والتهابية معيّنة. وهذا الاتّساع في التأثير جزء من سبب أن نقصاً بهذا الانتشار، في بلد لا يعاني نقصاً في أشعة الشمس، يمثّل فرصة صحية عامة حقيقية لا مجرّد هامش غذائي بسيط.
خطوات عملية لسدّ الفجوة
- احصل على تعرّض شمسي معقول وقصير: نحو 10 إلى 15 دقيقة من شمس منتصف النهار على الذراعين والساقين، بضع مرات أسبوعياً، يمكن أن تدعم بشكل ملموس التخليق الطبيعي لفيتامين D دون مخاطر تعرّض مفرط للأشعة فوق البنفسجية — وتوقيت ذلك خارج ساعات الذروة عملياً يساعد على موازنة المصلحتين المتنافستين.
- أدرج أطعمة غنية بفيتامين D بانتظام: الأسماك الدهنية كالسلمون والسردين، وصفار البيض، ومنتجات الألبان أو الحليب النباتي المُدعَّمة، كلها تسهم بشكل ملموس في التزوّد الغذائي.
- فكّر في فحص مستوياتك: يمنحك فحص دم بسيط يقيس 25-هيدروكسي فيتامين D صورة فردية واضحة بدلاً من الاعتماد على إحصاءات السكان العامة، ويستحقّ ذلك خصوصاً بالنسبة للنساء والمراهقين، الفئات التي أظهرت أعلى خطر في الأبحاث الخاصة بالسعودية.
- ناقش التزوّد بالمكمّلات مع مقدّم رعاية صحية: نظراً لمدى شيوع النقص حتى بين من يقضون وقتاً ملموساً في الخارج، فإن التزوّد الموجَّه بالمكمّلات — بناءً على فحص دم فعلي لا تخمين — جزء معقول وضروري غالباً من معالجة هذه الفجوة.
- وازن بين الحماية من الشمس والتعرّض لها: هذا ليس حجّة ضدّ واقي الشمس، الذي يبقى ضرورياً للوقاية من سرطان الجلد — بل تذكير بأن بعض التعرّض المتعمّد والقصير وغير المحمي، إلى جانب التزوّد الغذائي أو التكميلي الكافي، لكلٍّ منهما مكانه في الصورة.
تُعدّ مفارقة فيتامين D في الخليج مثالاً معبّراً حقاً على كيفية خلق الحياة الحديثة لفجوات صحية لا يتوقّعها الحدس وحده. فوفرة أشعة الشمس خارج نافذتك لا تعني تلقائياً كفاية فيتامين D في جسمك — وسدّ هذه الفجوة يتطلّب مزيجاً متعمّداً من التعرّض الشمسي المعقول والانتباه الغذائي، ولدى كثيرين، محادثة مع الطبيب حول الفحص والتزوّد بالمكمّلات.
المصادر
- انتشار واتجاهات نقص فيتامين D في مجتمع سعودي: دراسة استعادية على خمس سنوات — PMC/NCBI
- نقص فيتامين D وعوامل الخطر المرتبطة به لدى النساء في الرياض — Scientific Reports
- مستويات الانتشار والوعي بنقص فيتامين D — مجلة حائل للعلوم الصحية
المعلومات الواردة في هذا المقال للأغراض التثقيفية فقط ولا تُغني عن استشارة الطبيب. استشر طبيبك قبل بدء أي نظام تكميلي.




