كم نسبة السعوديين الذين يعانون الأرق فعلياً؟ الإجابة، بشكل مفاجئ، تختلف بشكل كبير حسب الدراسة التي تسألها — من 21.5% إلى 40% تقريباً. هذا التباين الحقيقي في الأرقام يكشف درساً مهمّاً حول كيفية قراءة إحصائيات الصحة بحذر، لا مجرّد رقم واحد نهائي.
الدراسة الوطنية الكبرى: نسبة أقلّ من المتوقَّع
استندت أكبر دراسة حديثة لبيانات مسح شارك للتغذية والصحة (SDHS)، وشملت جميع مناطق السعودية الثلاث عشرة الإدارية، بعيّنة بلغت 6,051 مشاركاً تتراوح أعمارهم بين 18 و90 عاماً. أُجريت مقابلات هاتفية منظَّمة بين يوليو وأغسطس 2023 لتقييم جودة النوم ومستويات الأرق. ووجدت الدراسة، المنشورة عام 2025، أن 21.5% فقط من المشاركين أعربوا عن عدم رضاهم عن نومهم، بينما أفاد 42.4% بعدم وجود أي قلق يتعلّق بنومهم إطلاقاً — نسبة أقلّ من دراسات سابقة أخرى.
دراسات أخرى تجد نسباً أعلى بكثير
في المقابل، وجدت دراسة مقطعية شملت 4,818 مشاركاً من جميع مناطق السعودية، ونُشرت في مجلة Cureus، أن 37.6% من المشاركين استوفوا جميع معايير التشخيص السريري (DSM-5) للأرق خلال الشهر الماضي — نسبة أعلى بكثير من دراسة مسح شارك. وارتفعت النسبة أكثر في دراسة أُجريت في الرياض تحديداً، شملت 548 مشاركاً، لتصل إلى 40% باستخدام أداة تشخيصية مختلفة (مؤشّر حالة النوم).
لماذا يحدث هذا التفاوت الكبير بين الدراسات؟
يكمن جزء كبير من التفسير في اختلاف أدوات القياس المستخدَمة. فبعض الدراسات تسأل ببساطة عن “الرضا عن النوم” (كدراسة شارك)، بينما تستخدم دراسات أخرى معايير تشخيصية سريرية صارمة كمعايير DSM-5 أو مؤشّر شدّة الأرق (ISI) أو مؤشّر حالة النوم — أدوات تقيس أبعاداً مختلفة نسبياً من مشكلة النوم نفسها. هذا يعني أن السؤال “كم نسبة من يعانون الأرق؟” ليس له إجابة واحدة بسيطة، بل يعتمد جوهرياً على كيفية تعريف “الأرق” وقياسه في الدراسة المحدَّدة.
فئات أكثر عرضة للخطر عبر الدراسات المختلفة
رغم التفاوت في الأرقام الإجمالية، تتّفق معظم الدراسات على عوامل خطر مشابهة: النساء، والمطلّقون أو الأرامل، والطلاب، والعاطلون عن العمل، ومن يعانون توتراً وظيفياً شديداً، ومستخدمو الأجهزة المحمولة قبل النوم. في المقابل، ارتبطت معدّلات أقلّ من الأرق بالرجال، والمتزوّجين، والعاملين بدوامَي الصباح والمساء، ومن يمارسون النشاط البدني بانتظام، ومن يتمتّعون بحالة صحية جيدة عموماً. كما وجدت دراسة منفصلة في منطقة جازان أن 28.8% من السكان يعانون اضطرابات نوم، مع انتشار ملحوظ لانقطاع النفس الانسدادي النومي (13.4%).
ماذا يعني هذا عملياً؟
- لا تعتمد على رقم واحد كحقيقة نهائية: نطاق انتشار الأرق في السعودية يتراوح بين 21.5% و40% حسب الدراسة، ما يعكس اختلاف طرق القياس لا واقعاً متناقضاً بالضرورة.
- انتبه لعوامل الخطر المشتركة عبر الدراسات: النساء والطلاب والعاملون تحت ضغط وظيفي شديد يظهرون باستمرار كفئات أكثر عرضة، بغضّ النظر عن الأداة المستخدَمة.
- النشاط البدني عامل وقائي متكرّر الظهور: ارتبطت ممارسة النشاط البدني المنتظم بانخفاض خطر الأرق عبر عدّة دراسات سعودية مستقلّة.
- قلّل استخدام الأجهزة المحمولة قبل النوم: هذا العامل ارتبط باستمرار بارتفاع خطر الأرق في الدراسات السعودية المختلفة.
- إذا كنت تعاني مشكلات نوم مستمرّة، اطلب تقييماً مختصّاً: بغضّ النظر عن الرقم الإجمالي الدقيق، فإن الأرق مشكلة حقيقية تستحقّ اهتماماً فردياً جادّاً.
يقدّم هذا التباين بين الدراسات درساً مفيداً يتجاوز موضوع النوم نفسه: عند مواجهة إحصائية صحية “مثيرة” أو “مفاجئة”، يستحقّ الأمر دائماً سؤال كيف قِيست هذه الإحصائية بالضبط — فالإجابة قد تُغيّر الصورة الكاملة.
ماذا عن كبار السن تحديداً؟
أضافت دراسة سعودية ركّزت تحديداً على كبار السن (60 عاماً فأكثر) بُعداً مهمّاً آخر لهذه الصورة المتفاوتة. فحصت الدراسة 171 مشاركاً في مركز رعاية أولية كبير بالرياض، ووجدت أن انتشار الأرق بلغ 29.2% لدى هذه الفئة العمرية تحديداً، مع نسبة مرتفعة بشكل لافت من النعاس النهاري الشديد (77.8%)، وخطر مرتفع لانقطاع النفس الانسدادي النومي لدى 22.2% منهم. هذا يشير إلى أن كبار السن قد يواجهون مزيجاً مختلفاً من مشكلات النوم مقارنةً بعموم البالغين — لا الأرق وحده، بل تراكب معه مشكلات أخرى كالنعاس النهاري وانقطاع النفس النومي، ما يستدعي تقييماً شاملاً لا يقتصر على سؤال واحد بسيط عن “جودة النوم”. وهذا يوضّح أن الفئة العمرية نفسها قد تحتاج نهج فحص مختلفاً تماماً عن الفئات الأصغر سناً، إذ لا يكفي سؤالها فقط عن الرضا العام عن النوم، بل يستحقّ الأمر فحصاً متعدّد الأبعاد يغطّي أنماط النوم والتنفّس أثناءه معاً.
المصادر
- جودة النوم وانتشار الأرق بين السكان السعوديين: دراسة وصفية (2025)
- انتشار الأرق وعوامله المرتبطة في عموم سكان السعودية: دراسة مقطعية
المعلومات الواردة في هذا المقال للأغراض التثقيفية فقط ولا تُغني عن استشارة الطبيب.
نشرة أكتيف أرابيا الأسبوعية
مقالة واحدة مبنية على دراسة محددة، كل أسبوع، إلى بريدك. بلا ضجيج.
لن نشارك بريدك. يمكنك إلغاء الاشتراك بضغطة واحدة.




