من أول مشاركة نسائية سعودية في الأولمبياد عام 2012 إلى انتخاب امرأة سعودية في اللجنة الأولمبية الدولية، قطعت الرياضة النسائية في المملكة مساراً لافتاً خلال أقل من عقد ونصف. هذا التحوّل ليس مجرد سلسلة أحداث معزولة، بل يعكس تغيّراً بنيوياً مدفوعاً برؤية السعودية 2030، وتستحقّ الإنجازات الفردية وراءه أن تُروى بدقة.
البداية: أول مشاركة أولمبية نسائية عام 2012
حتى عام 2008، شاركت السعودية في 9 دورات أولمبية بـ121 رياضياً دون أي امرأة، وهو ما أصبح نقطة خلاف مع اللجنة الأولمبية الدولية. وبعد نقاشات مع اللجنة، شاركت أول رياضيتين سعوديتين في أولمبياد لندن 2012: سارة عطار، التي تحمل الجنسيتين الأمريكية والسعودية، في ألعاب القوى، ووجدان الشهراني في الجودو. ورغم عدم إحرازهما ميداليات، اعتُبرت مشاركتهما إنجازاً تاريخياً بحدّ ذاته، وتحدّثت عطار لاحقاً عن ملاحظتها تغيّرات إيجابية خلال زياراتها للسعودية نتيجة مشاركتها، مع تزايد اهتمام الطالبات بالرياضة.
توسّع المشاركة: من ريو إلى طوكيو
أرسلت السعودية أربع رياضيات إلى أولمبياد ريو دي جانيرو 2016: سارة عطار في الماراثون، وكريمان أبو الجدايل، طالبة جامعة نورث إيسترن، في سباق 100 متر، وجود فهمي في الجودو، ولبنى العُمير في المبارزة. وحقّقت أبو الجدايل تحديداً إنجازاً بارزاً بوصولها إلى المركز السابع في مرحلتها بزمن 14.02 ثانية، لتصبح أول امرأة سعودية تشارك في سباق العدو 100 متر أولمبياً. وشاركت رياضيتان سعوديتان أخريان في طوكيو 2020، من بينهنّ ياسمين الدباغ.
إنجازات حديثة: من السباحة إلى التزلج
في أولمبياد باريس 2024، شاركت السعودية بثمانية رياضيين (6 رجال و2 امرأة) في 4 رياضات، من بينهم مشاعل العايد، أول امرأة سعودية تتنافس في السباحة أولمبياً، ودنيا أبو طالب، التي حملت علم السعودية في حفلَي الافتتاح والختام. وفي رياضة أقلّ تقليدية، برزت شريفة السديري كأول متزلجة سعودية على المنحدرات الجليدية (الألبية)، بينما شكّلت مشاعل العبيدان أول امرأة سعودية تشارك في رالي داكار الشهير.
القيادة والحوكمة: ما وراء الملاعب
تجاوز التقدّم الميدان الرياضي إلى قيادة الحوكمة الرياضية نفسها. ففي عام 2020، أصبحت الأميرة ريمى بنت بندر آل سعود أول امرأة تُعيَّن في اللجنة الأولمبية الدولية، لتستمرّ في الدعوة لزيادة مشاركة المرأة في الرياضة على المستويين المحلي والدولي. وفي عام 2021، تأسّس منتخب السيدات الوطني السعودي لكرة القدم، وحصل على اعتراف الفيفا الرسمي في فبراير 2023، ما مثّل علامة فارقة في المشهد الرياضي الدولي للمملكة.
لماذا يهمّ هذا التحوّل الأوسع؟
يصف الباحثون هذا التحوّل بأنه جزء من نقلة نوعية شهدها قطاع الرياضة السعودي مؤخراً، خصوصاً في رياضة المرأة، مدفوعة برؤية السعودية 2030 التي حوّلت رياضة المرأة إلى عنصر أساسي في تمكين المرأة وتحسين جودة الحياة على مستوى المملكة. وتشير مصادر رسمية إلى أن هذا التقدّم يفتح المجال أمام مزيد من الفرص عبر مجالات متعدّدة، بما فيها الرياضة للرجال والنساء على حدّ سواء، مع دعم واضح من القيادة لتذليل العقبات وتوفير الموارد اللازمة لجميع الرياضيين.
ماذا يعني هذا عملياً؟
- المشاركة تتوسّع بثبات، لا بقفزة واحدة: من رياضيتين في 2012 إلى تمثيل عبر رياضات متنوّعة كالسباحة والتزلج وكرة القدم، يعكس التقدّم مساراً تراكمياً حقيقياً.
- القيادة الرياضية جزء من الصورة: تعيين الأميرة ريمى بنت بندر في اللجنة الأولمبية الدولية يُظهر أن التقدّم يتجاوز المشاركة الميدانية إلى مواقع صنع القرار.
- الاعتراف الدولي يتراكم: حصول منتخب السيدات لكرة القدم على اعتراف الفيفا الرسمي عام 2023 خطوة ملموسة نحو مأسسة رياضة المرأة السعودية دولياً.
- التنوّع الرياضي يتّسع: من ألعاب القوى والسباحة التقليدية إلى رياضات أقلّ شيوعاً إقليمياً كالتزلج الألبي ورالي داكار، يعكس اتّساع الطموح الرياضي النسائي في المملكة.
يبقى هذا المسار قصة تحوّل ممتدة عبر أكثر من عقد، تجمع بين إنجازات فردية ملهمة ودعم مؤسسي متنامٍ — وهي قصة لا تزال قيد الكتابة مع كل موسم رياضي جديد.
ما الذي ينتظر الأجيال القادمة من الرياضيات؟
يشير المتابعون لمسار الرياضة النسائية السعودية إلى أن التحوّل الحقيقي ليس فقط في عدد الرياضيات المشاركات، بل في اتّساع قاعدة الرياضات المتاحة لهنّ وتطوّر البنية التحتية الداعمة لهنّ محلياً، من الأندية الرياضية النسائية إلى برامج التطوير الشبابي.
وكل جيل جديد من الرياضيات يبني على إرث من سبقنه — فكما فتحت سارة عطار ووجدان الشهراني الباب في لندن 2012، فتحت كريمان أبو الجدايل ومشاعل العايد أبواباً جديدة في رياضات مختلفة تماماً. وهذا النمط التراكمي، حيث يُلهم كل إنجاز فردي موجة تالية من الطموح، هو ما يجعل هذا المسار الرياضي أكثر من مجرّد قائمة إنجازات منفصلة — بل قصة تحوّل مجتمعي مستمرّة.
ما دور الرياضة المدرسية والمحلية في هذا المسار؟
لا يقتصر هذا التحوّل على المنصّات الأولمبية والدولية فقط، بل يمتدّ إلى القاعدة الرياضية المحلية التي تُغذّي هذه الإنجازات على المدى الطويل. فإدخال حصص الرياضة البدنية في المدارس الحكومية للبنات، وتزايد عدد الأندية والمرافق الرياضية النسائية عبر المملكة، خطوات أساسية لبناء قاعدة واسعة من المواهب الشابة قبل أن تصل إلى المنصّات الدولية. وبدون هذه البنية التحتية المحلية المتنامية، تبقى الإنجازات الفردية استثناءات نادرة بدلاً من نمط مستدام يتكرّر جيلاً بعد جيل — وهذا ما يجعل الاستثمار في الرياضة المدرسية والمحلية عنصراً محورياً بقدر أهمية الإنجازات الأولمبية نفسها.
المصادر
المعلومات الواردة في هذا المقال للأغراض التثقيفية فقط.
نشرة أكتيف أرابيا الأسبوعية
مقالة واحدة مبنية على دراسة محددة، كل أسبوع، إلى بريدك. بلا ضجيج.
لن نشارك بريدك. يمكنك إلغاء الاشتراك بضغطة واحدة.




