يواجه ملايين الرياضيين والمتمرّنين في العالم الإسلامي سؤالاً عملياً كل عام: ماذا يحدث لأدائي إذا تمرّنت وأنا صائم؟ والسؤال أوسع من رمضان، إذ انتشرت أنماط «الصيام المتقطّع» و«الأكل المقيّد بالوقت» بين هواة اللياقة. الإجابة التي تقدّمها الأبحاث ليست «مفيد» أو «ضارّ» بإطلاق، بل تفصيلية: مراجعة منهجية وتحليل تجميعي نُشرا في مجلة Sports Medicine عام 2020 وجدا أن صيام رمضان يضعف القدرة اللاهوائية (الانفجارية) قليلاً، بينما لا يؤثّر يُذكر في التحمّل الهوائي ولا في القوّة العضلية ولا في ارتفاع القفز. هذا المقال يفكّك ما نعرفه، ويميّز بين أثر «نقص الطعام» وأثر «اضطراب النوم والإيقاع اليومي» المصاحب لرمضان.
ماذا وجدت مراجعة Sports Medicine؟
جمعت المراجعة دراسات قاست أداء رياضيين ونشطين قبل رمضان وأثناءه. النتائج الرئيسية:
- القدرة اللاهوائية تتأثّر سلباً: انخفض متوسط القدرة والقدرة القصوى في اختبارات «وينغيت» و«العدو المتكرّر» أثناء الصيام.
- أداء العدو في الصباح يتراجع تحديداً، على الأرجح لأن الجسم يكون قد أمضى ساعات طويلة بلا طعام أو ماء منذ السحور.
- التحمّل الهوائي لم يتأثّر بشكل ذي دلالة في معظم الدراسات.
- القوّة العضلية، وارتفاع القفز، ومؤشّر التعب، والعمل الكلّي لم تتغيّر تقريباً.
- معظم مقاييس الأداء لم تتغيّر بدلالة سواء اختُبرت صباحاً أو بعد الظهر.
بعبارة موجزة: الجهود القصيرة الشديدة جداً (ثوانٍ من القوّة القصوى المتكرّرة) هي الأكثر عرضةً للتراجع، بينما تصمد الجهود الأطول المعتدلة والقوّة الفردية.
الصيام المتقطّع خارج رمضان: صورة أهدأ
حين يُدرَس الصيام المتقطّع أو الأكل المقيّد بالوقت (مثل نافذة أكل 8 ساعات وصيام 16) دون قيد الماء ودون السهر المرتبط برمضان، تكون النتائج أكثر حياداً. مراجعة منهجية في مجلة Nutrients عام 2020 لاحظت أن الأكل المقيّد بالوقت قد يرافقه تحسّن في الحدّ الأقصى لاستهلاك الأكسجين، بينما يميل صيام رمضان إلى خفضه — والفرق غالباً بسبب الجفاف واضطراب النوم لا الصيام بحدّ ذاته. وتحليل تجميعي أحدث عام 2025 خلص إلى أن الصيام المتقطّع لا يؤثّر بدلالة في تركيز اللاكتات في الدم، ولا ارتفاع القفز العمودي، ولا قوّة قبضة اليد، ولا القدرة القصوى في وينغيت، ولا أقصى وزن في تمرين ضغط الصدر، ولا أقصى نبض، ولا الجهد المُدرَك.
الصيام المتقطّع وتركيب الجسم مع تدريب المقاومة
من أكثر التطبيقات دراسةً: الجمع بين الأكل المقيّد بالوقت وتدريب المقاومة لدى أشخاص مدرَّبين. أظهرت تجارب استمرّت عدّة أسابيع أن هذا الجمع يمكن أن يقلّل كتلة الدهون مع الحفاظ على الكتلة العضلية والقوّة القصوى — أي «تنشيف» دون خسارة عضلية ملموسة، بشرط الحفاظ على بروتين كافٍ وحجم تدريب مناسب. هذا يجعل الصيام المتقطّع أداةً منطقيةً لمن هدفه خفض الدهون، لا لمن هدفه الأداء الانفجاري الأقصى. لكن يجب التذكير أن ميزة الصيام المتقطّع في هذا السياق ليست «سحرية»؛ فالمقارنات التي عادلت السعرات والبروتين بين نظام صيام ونظام أكل موزّع على اليوم وجدت نتائج متقاربة في تركيب الجسم. الفائدة الحقيقية للصيام المتقطّع لكثير من الناس عملية بحتة: تقليل عدد الوجبات يجعل ضبط السعرات أسهل والالتزام أبسط، وهذا وحده قد يفسّر نجاحه لدى من يناسبهم.
لماذا يتأثّر الأداء اللاهوائي دون الهوائي؟
الجهد اللاهوائي القصير الشديد يعتمد على مخزون الجليكوجين في العضلة وعلى توافر الماء والكهارل لنقل الإشارات العصبية والعضلية بكفاءة. بعد ساعات طويلة من الصيام — خصوصاً بلا ماء كما في رمضان — ينخفض هذا التوافر قليلاً، فتتأثّر القدرة على توليد قوّة قصوى متكرّرة. أمّا الجهد الهوائي المعتدل فيعتمد أكثر على أكسدة الدهون، ومخزون الدهون في الجسم وافر ولا يتأثّر بصيام يوم. والقوّة الفردية (رفعة واحدة قصوى) جهد لحظي لا يستنزف مخزوناً، فيبقى مستقرّاً نسبياً. هذا يفسّر النمط الذي رصدته الدراسات.
هناك عامل آخر مرتبط بالماء تحديداً. صيام رمضان «جافّ» — بلا شرب نهاراً — بخلاف معظم أنماط الصيام المتقطّع التي تسمح بالماء. حتى نقص بسيط في ماء الجسم بنسبة 1–2% من وزنه يقلّل القدرة على أداء الجهود العالية الشدّة ويرفع الجهد المُدرَك، ويؤثّر في التركيز والتناسق الحركي. هذا يفسّر لماذا تكون نتائج صيام رمضان على الأداء أحياناً أسوأ قليلاً من نتائج الأكل المقيّد بالوقت في المختبر، رغم أن مبدأ «الامتناع عن الطعام لساعات» واحد. ولهذا يصبح الترطيب الجيّد في ساعات الليل — كمّيات موزّعة لا دفعة واحدة — من أهمّ ما يحمي الأداء في رمضان.
ماذا يحدث في الجسم خلال يوم صيام؟
في الساعات الأولى بعد السحور يعتمد الجسم على الجليكوجين المخزّن في الكبد والعضلات لتزويد الدماغ والعضلات بالطاقة. مع مرور الساعات ونفاد جليكوجين الكبد (خلال 12–16 ساعة تقريباً)، يزداد الاعتماد على أكسدة الدهون وإنتاج الأجسام الكيتونية كوقود بديل. هذا التحوّل الأيضي طبيعي وآمن لمعظم الأصحّاء، ويفسّر لماذا يبقى التحمّل الهوائي — الذي يعمل أساساً على الدهون — مستقرّاً. لكن الجليكوجين العضلي لا يُستنزف بالكامل خلال يوم صيام عادي بلا تمرين، لذا يبقى وقود الجهود القصيرة متاحاً جزئياً؛ المشكلة تظهر حين يُضاف تمرين مكثّف إلى نهاية نهار طويل، فيلتقي انخفاض الجليكوجين مع الجفاف وتراجع اليقظة الناتج عن قلّة النوم.
الصيام وبناء العضلة: ماذا نعرف؟
القلق الشائع أن الصيام «يأكل العضلة». الأدلّة لا تدعم هذا القلق في الظروف المعتادة. الجسم يحمي البروتين العضلي بكفاءة أثناء الصيام القصير عبر التحوّل إلى الدهون كوقود. وتشير تجارب على الأكل المقيّد بالوقت مع تدريب المقاومة إلى الحفاظ على الكتلة الخالية من الدهن والقوّة، شرط ثلاثة أمور: بروتين يومي كافٍ (نحو 1.6 غرام لكل كيلوغرام من وزن الجسم)، وحجم تدريب مقاومة مناسب، ونوم كافٍ. في رمضان، يعني ذلك عملياً توزيع البروتين بين وجبتَي الإفطار والسحور، وعدم إهمال حصص المقاومة، وتجنّب العجز السعري الحادّ الذي يجمع بين قلّة الأكل وكثرة التمرين.
هل تختلف الاستجابة بين الرجال والنساء؟
معظم دراسات الصيام والأداء أُجريت على رياضيين ذكور، وهذا نقص حقيقي في الأدبيات. بعض الأبحاث تشير إلى أن استجابة النساء للصيام المطوّل قد تختلف بسبب اختلافات هرمونية وأيضية، وأن بعضهنّ أكثر حساسيةً لنقص الطاقة المتاحة، وهي حالة ترتبط باضطرابات الدورة الشهرية وصحّة العظام لدى الرياضيات. لذلك يُنصح بحذر إضافي: مراقبة الطاقة الكلّية المتناولة، وعدم الجمع بين صيام وتقييد سعري شديد وحجم تدريب عالٍ، واستشارة مختصّة عند أي تغيّر في الدورة أو تراجع مستمرّ في الأداء والمزاج.
رمضان تحديداً: ليس الصيام وحده
من المهمّ عدم الخلط بين متغيّرات رمضان. فما يتغيّر ليس التوقّف عن الطعام والشراب نهاراً فقط، بل أيضاً: نوم أقصر ومجزّأ، وتحوّل مواعيد الوجبات إلى الليل، وتغيّر تركيبها (سكّريات ودهون أكثر أحياناً)، وانخفاض النشاط النهاري، وأحياناً الجفاف. كثير من التراجع في الأداء المرصود في رمضان يُعزى إلى قلّة النوم واضطراب الإيقاع اليومي أكثر من نقص السعرات. وهذا خبر جيّد عملياً: لأن معظم هذه العوامل قابل للإدارة. فمن ينظّم نومه ويحافظ على ترطيبه ويوقّت تمرينه قرب الإفطار ويحافظ على تغذية متوازنة، قد لا يلاحظ فرقاً يُذكر في أدائه. ومن يهمل هذه العوامل — يسهر، ويشرب قليلاً، ويتمرّن ظهراً بعد نهار طويل، ويأكل وجبات ثقيلة غير متوازنة ليلاً — سيشعر بتراجع واضح ويظنّ خطأً أن السبب هو الصيام نفسه. التجربة الفردية هنا هي الحَكَم: راقب أداءك ونومك وطاقتك خلال الأسبوع الأول وعدّل بناءً على ما تلاحظه، لا على قواعد عامة.
كيف تحافظ على أدائك أثناء الصيام؟
- وقّت تمرينك بذكاء: الخيارات الأفضل عادةً هي قبل الإفطار بساعة إلى ساعتين (فتُعوَّض السوائل والطاقة مباشرةً بعده)، أو بعد الإفطار بساعتين إلى ثلاث. تجنّب الجهد الشديد في منتصف النهار.
- احمِ نومك: استهدف مجموع نوم كافياً عبر تقسيمه (نوم ليلي + قيلولة نهارية)؛ قلّة النوم هي العدو الأكبر للأداء في رمضان.
- رطّب جيّداً بين الإفطار والسحور: كمّيات موزّعة من الماء، لا دفعة واحدة، مع مصادر طبيعية للكهارل (فواكه، خضار، ألبان، حساء).
- خفّف الحجم والشدّة قليلاً: اعتبر رمضان مرحلة «صيانة» لا مرحلة أرقام قياسية؛ الحفاظ على اللياقة أهمّ من رفعها هذا الشهر.
- وزّع البروتين على وجبتَي الإفطار والسحور للحفاظ على العضلة، مع كربوهيدرات كافية لإعادة ملء الجليكوجين.
- أجّل الجهود الانفجارية القصوى (رفعات قياسية، تدريب سرعة مكثّف) إلى ما بعد رمضان إن أمكن.
حدود الدليل — بصراحة
أولاً، دراسات رمضان صغيرة العيّنات غالباً، ومعظمها على رياضيين ذكور، فتعميم النتائج على النساء وعلى غير الرياضيين محدود. ثانياً، يصعب فصل أثر الصيام عن أثر النوم والإيقاع اليومي في تصميم بحثي واقعي. ثالثاً، «الأداء» في المختبر (وينغيت، قفز) لا يطابق تماماً الأداء في الملعب. رابعاً، الاستجابة فردية جداً: بعض الرياضيين لا يلاحظون أي فرق، وبعضهم يتأثّر بوضوح، ويعتمد ذلك على مستوى اللياقة والتأقلم وجودة إدارة النوم والتغذية. خامساً، معظم الدراسات قصيرة (شهر واحد) ولا تخبرنا عن آثار تراكمية لسنوات. الرسالة المتوازنة: الصيام لا يُلغي قدرتك على التمرين ولا على المنافسة، لكنه يستدعي تعديلات ذكية في التوقيت والحجم والنوم، وتوقّعات واقعية بشأن الجهود الانفجارية القصوى.
خطوات عملية
- توقّع تراجعاً طفيفاً في القوّة الانفجارية المتكرّرة فقط؛ التحمّل الهوائي والقوّة الفردية يصمدان.
- مرّن قرب وقت الإفطار لتقليل أثر الجفاف ونقص الطاقة.
- عامل النوم كأولوية تدريبية، لا كتفصيل ثانوي؛ فقدانه هو ما يهدم الأداء في رمضان.
- اجعل الشهر مرحلة حفاظ على المكتسبات لا سعياً وراء أرقام جديدة.
- للصيام المتقطّع خارج رمضان: هو أداة معقولة لخفض الدهون مع الحفاظ على العضلة، وليس بالضرورة أفضل ولا أسوأ من أنماط أكل أخرى للأداء.
- استشر مختصّاً إذا كنت مصاباً بالسكري أو تتناول أدوية تتأثّر بمواعيد الطعام، قبل أي نظام صيام.
- راقب استجابتك الفردية أسبوعاً قبل الحكم؛ فالفروق بين شخص وآخر كبيرة، والتعديل يبنى على ملاحظتك أنت.
خلاصة الأمر أن العلاقة بين الصيام والأداء الرياضي دقيقة لا قاطعة: القدرة اللاهوائية القصيرة تتأثّر قليلاً، بينما يبقى التحمّل والقوّة مستقرّين إلى حدّ كبير. وبإدارة النوم والترطيب والتوقيت، يمكن لمعظم الناس التمرّن والمنافسة وهم صائمون دون خسارة تُذكر.
ويجدر التذكير أخيراً بأن رمضان ليس شهر تدريب فحسب، بل له أبعاد روحية واجتماعية قد تكون أهمّ من رقم في اختبار وينغيت. كثير من الرياضيين المحترفين المسلمين صاموا وحقّقوا إنجازات كبرى، ما يؤكّد أن الصيام والأداء الرفيع ليسا متناقضين. الهدف من فهم هذه الأبحاث ليس تبرير التكاسل ولا فرض بطولات على الجسم المُنهَك، بل اتخاذ قرارات مدروسة تحافظ على اللياقة والصحّة معاً خلال الشهر، ثم استئناف التقدّم بعده بجسم مرتاح.
المصادر
- Effects of Ramadan Fasting on Physical Performance: A Systematic Review with Meta-analysis — Sports Medicine (2020)
- Effects of Intermittent Fasting on Specific Exercise Performance Outcomes: A Systematic Review Including Meta-Analysis — Nutrients (2020)
- Effect of Intermittent Fasting on Physical Performance and Exercise Outcomes: A Systematic Review and Meta-Analysis of Clinical Trials — Journal of Food Biochemistry (2025)
المعلومات الواردة في هذا المقال للأغراض التثقيفية فقط ولا تُغني عن استشارة الطبيب أو اختصاصي التغذية، خصوصاً لمرضى السكري أو من يتناولون أدوية مزمنة.
نشرة أكتيف أرابيا الأسبوعية
مقالة واحدة مبنية على دراسة محددة، كل أسبوع، إلى بريدك. بلا ضجيج.
لن نشارك بريدك. يمكنك إلغاء الاشتراك بضغطة واحدة.




