الجلوس لساعات طويلة قد لا يسبب لك التيبس فحسب — بل قد يرفع من خطر إصابتك بالسرطان. دراسة ضخمة جديدة شملت نحو 22,000 امرأة وجدت أن اللواتي جلسن لفترات أطول كنّ أكثر عرضة للإصابة بالسرطان، خاصة الأنواع المرتبطة بقلة النشاط البدني. البحث، الذي نُشر في دورية Cancer Causes & Control في يوليو 2025، استخدم قياسات دقيقة بأجهزة التسارع بدلاً من التقارير الذاتية، مما يعطينا صورة أوضح عن كيف تؤثر مخاطر الجلوس الطويل والسرطان فعلياً في الحياة الواقعية.
هذه ليست مجرد دراسة أكاديمية بعيدة عن واقعنا. ففي منطقة الخليج، حيث نمط الحياة يعتمد بشكل كبير على السيارات والتكييف، حيث المسافات طويلة بين المنازل والمكاتب، حيث الحرارة تمنع المشي الخارجي لشهور طويلة — هذه الدراسة توجه لنا رسالة واضحة: الجلوس قد يكون أحد أكبر المخاطر الصحية الصامتة في عصرنا. ومنظمة الصحة العالمية تعتبر الخمول البدني رابع أكبر عامل خطر للوفاة المبكرة على مستوى العالم، وهو يساهم في نحو 3.2 مليون حالة وفاة سنوياً. وهذا الرقم في تزايد مستمر مع تغير أنماط العمل والحياة الحديثة.
مخاطر الجلوس الطويل والسرطان: ماذا وجدت الدراسة: 9.5 ساعة يومياً وزيادة بنسبة 6%
تعاونت مجموعة “Women’s Health Accelerometry Collaboration” — وهي مبادرة بحثية مشتركة بين عدة جامعات أمريكية رائدة تشمل جامعة كاليفورنيا سان دييغو وجامعة نورث كارولينا وهارفارد — لتتبع 22,097 امرأة بعد سن اليأس (متوسط أعمارهن 73 عاماً) لمدة ثماني سنوات تقريباً. ارتدت هؤلاء النساء أجهزة تسارع على الورك لقياس وقت الجلوس الفعلي — ليس ما تذكرنه أو خمّنه، بل ما فعلنه فعلياً. هذه الأجهزة تميز بين الجلوس والوقوف والحركة بدقة عالية باستخدام خوارزميات تعلم آلي متقدمة تسمى CHAP.
كانت النتائج لافتة. في المتوسط، جلست هؤلاء النساء لمدة 567 دقيقة يومياً — أي نحو 9.5 ساعة. وهذا يعادل تقريباً وقت العمل الكامل بالإضافة إلى بعض الوقت في المنزل. وكل زيادة بمقدار انحراف معياري واحد في وقت الجلوس ارتفعت معها نسبة خطر الإصابة بالسرطان بنسبة 6%. وعندما نظر الباحثون تحديداً في 13 نوعاً من السرطان المرتبط بالنشاط البدني (مثل سرطان الثدي والقولون والرحم والكلى والمريء والمثانة والمعدة)، قفزت النسبة إلى 10%.
وخلص الباحثون إلى أن “السلوك الخامل ارتبط بزيادة خطر الإصابة بالسرطان، خاصة السرطانات المرتبطة بالنشاط البدني.” وهذا يعني أن الجلوس ليس مجرد عادة سيئة — بل هو عامل خطر حقيقي يمكن قياسه. وخلال فترة المتابعة، تم تشخيص 1,861 حالة سرطان وتوفي 601 مشاركة بسبب السرطان. كما أن متوسط مدة جلسة الجلوس الواحدة كان 12.8 دقيقة، مما يعني أن النساء كنّ يقمن بحركات صغيرة متكررة خلال اليوم.
لماذا مدة جلسات الجلوس المتصلة مهمة أيضاً
هنا تكمن المفاجأة. الأمر لا يتعلق بمقدار جلوسك فحسب — بل بكيفية جلوسك. وجدت الدراسة أن فترات الجلوس الطويلة غير المنقطعة ارتبطت أيضاً بارتفاع خطر السرطان. في المتوسط، استمرت فترات جلوس النساء نحو 13 دقيقة لكل جلسة.
وكل زيادة بمقدار انحراف معياري واحد في مدة الجلسة رفعت خطر السرطان بنسبة 5% بشكل عام و8% لتلك السرطانات الـ 13 المرتبطة بالنشاط. هذا يشير إلى أن تقسيم وقت الجلوس على مدار اليوم قد يكون بنفس أهمية تقليل وقت الجلوس الإجمالي.
فكّر في الأمر هكذا: الجلوس لتسع ساعات متواصلة أسوأ على الأرجح من الجلوس لتسع ساعات موزعة على اليوم مع فترات حركة منتظمة. عندما تجلس دون انقطاع، يتباطأ تدفق الدم، تقل حركة العضلات، ويقل حرق السعرات الحرارية. لكن عندما تقف كل بضع دقائق، تعيد تنشيط الدورة الدموية وتحفز العضلات على العمل مرة أخرى.
هذا يتوافق مع أبحاث سابقة وجدت أن فترات الجلوس الطويلة المتواصلة ترتبط بزيادة خطر الوفاة المبكرة وأمراض القلب، حتى عند الأشخاص الذين يمارسون الرياضة بانتظام. بمعنى آخر، لا يمكنك تعويض ثماني ساعات من الجلوس المتواصل بساعة في النادي الرياضي. الجسم مصمم للحركة المستمرة، وليس للجلوس الطويل ثم التعويض بتمرين قصير. العضلات تحتاج إلى تنشيط متكرر للحفاظ على أيض صحي ودورة دموية جيدة.
السياق الخليجي: لماذا يهم هذا في السعودية
إذا كنت تعيش في الخليج، فهذا البحث يجب أن يستوقفك. فالمملكة العربية السعودية، مثل العديد من الدول الغنية، شهدت تحولاً جذرياً نحو أنماط الحياة الخاملة خلال العقود الأخيرة. فالتكييف المركزي يجعل الخروج غير مريح لمعظم أيام السنة، والمدن مصممة للسيارات وليس للمشاة، والوظائف المكتبية أصبحت هي الغالبية.
دراسة نُشرت عام 2020 في المجلة الدولية للأبحاث البيئية والصحة العامة وجدت أن البالغين السعوديين أفادوا بالجلوس لمدة 7.5 ساعات يومياً في المتوسط — وكان ذلك قبل أن يدفع الوباء بالمزيد من الأنشطة إلى العالم الرقمي. وقد يتجاوز العاملون في المكاتب والطلاب والمتقاعدون بسهولة 9.5 ساعة التي شوهدت في الدراسة الأمريكية. كما أن دراسة أخرى وجدت أن نحو 70% من الطلاب الجامعيين السعوديين لا يمارسون نشاطاً بدنياً كافياً.
المناخ الحار لا يساعد أيضاً. فلفترة كبيرة من السنة، لا يكون النشاط الخارجي عملياً، مما يعني المزيد من الوقت في الداخل — وغالباً، المزيد من وقت الجلوس. وفي المدن الكبرى مثل الرياض وجدة، حيث المسافات شاسعة بين الأحياء، يصبح المشي أو ركوب الدراجة خياراً صعباً. كما أن الثقافة الاجتماعية تشجع على التجمع في الأماكن المغلقة مثل المطاعم والمجمعات التجارية بدلاً من المتنزهات والحدائق.
لكن هناك أخبار جيدة. رؤية 2030 السعودية تولي اهتماماً كبيراً لجودة الحياة والنشاط البدني. مشاريع مثل “قدرة” و”رياضة” تشجع على الحركة، والمزيد من المتنزهات والمسارات تُبنى في المدن. كما أن مبادرة “جودة الحياة” تهدف إلى زيادة ممارسة النشاط البدني بين السكان. والمزيد من الشركات تبدأ في تشجيع موظفيها على الحركة من خلال توفير صالات رياضية في أماكن العمل وتنظيم فعاليات رياضية. لكن التغيير الحقيقي يبدأ من الفرد — من قرارات يومية صغيرة.
ليس كل جلوس متساوياً — أم أنه كذلك؟
تحذير مهم: هذه الدراسة نظرت في نساء بعد سن اليأس، معظمهن في السبعينات من العمر. ولا يمكننا افتراض أن الأرقام نفسها تنطبق بالضبط على الشباب أو الرجال. ومع ذلك، ربطت أبحاث سابقة بين الجلوس الطويل وارتفاع خطر الإصابة بأمراض القلب والسكري من النوع الثاني والوفاة المبكرة عبر جميع الفئات العمرية.
قيد آخر: الدراسة قاست وقت الجلوس في نقطة واحدة ثم تتبع نتائج السرطان على مدى ثماني سنوات. وقد تتغير عادات الناس. فشخص كان يجلس كثيراً في 2015 ربما بدأ بممارسة الرياضة أكثر بحلول 2018. وقد عدّل الباحثون حسب مستويات النشاط البدني، لكنهم لم يتمكنوا من رصد كل تحول في السلوك.
ومع ذلك، فإن استخدام الدراسة لأجهزة التسارع بدلاً من الاستبيانات يمنحها مصداقية أكبر. فوقت الجلوس المُبلَّغ عنه ذاتياً غير دقيق بشكل سيئ — فالناس يميلون إلى التقليل من مقدار جلوسهم. وعندما تقيس الأجهزة الفعلية، تكون الصورة أوضح بكثير. الدراسات التي تعتمد على الاستبيانات تميل إلى التقليل من وقت الجلوس بنسبة 20-30%.
أيضاً، الدراسة لم تميز بين أنواع الجلوس المختلفة. فالجلوس أمام التلفزيون قد يكون له تأثير مختلف عن الجلوس في المكتب أو في السيارة. بعض الأبحاث تشير إلى أن الجلوس أمام الشاشات قد يكون أسوأ لأنه غالباً ما يترافق مع تناول الطعام وقلة الوعي بالوقت. كما أن الجلوس في السيارة يختلف عن الجلوس في المكتب من حيث وضعية الجسم والحركة. الجلوس في السيارة عادة ما يكون أطول وأقل حركة، مما قد يزيد الخطر.
ما الذي يمكنك فعله اليوم: خطوات عملية قابلة للتطبيق
لست بحاجة إلى ترك وظيفتك المكتبية أو شراء مكتبوقوف (رغم أن هذه يمكن أن تساعد). المفتاح هو مقاطعة فترات الجلوس الطويلة. إليك خطوات عملية يمكنك تطبيقها فوراً:
- اضبط مؤقتاً. كل 30 دقيقة، قف وتحرك لدقيقتين إلى ثلاث. امشِ إلى المطبخ، أو تمدد، أو اعمل بضع تمارين قرفصاء — أي شيء يكسر نمط الجلوس. بعض الساعات الذكية تذكرك بالوقوف تلقائياً بعد فترة خمول.
- اجتماعات المشي. إذا كانت لديك مكالمة هاتفية أو اجتماع ثنائي، خذها أثناء المشي. حتى التجول في مكتبك يُحتسب. في الشركات الرائدة، أصبحت اجتماعات المشي جزءاً من الثقافة المؤسسية لأنها تحسن الإبداع والتواصل.
- التنقل النشط. اركن أبعد، أو خذ السلالم، أو انزل من الحافلة محطة واحدة مبكراً. هذه الإضافات الصغيرة تتراكم. ففي دراسة بريطانية كبيرة، وجد أن الأشخاص الذين يمشون أو يركبون الدراجة إلى العمل يتمتعون بصحة قلبية أفضل وخطر أقل للسرطان.
- وقت التلفزيون = وقت الحركة. أثناء فواصل الإعلانات أو بين الحلقات، انهض. اطوِ الغسيل، أو اعمل تمرينات ضغط، أو امشِ حول المنزل. يمكنك أيضاً استخدام جهاز المشي أثناء مشاهدة التلفزيون — وهي عادة تنتشر بين المهنيين الصحيين.
- تتبع جلوسك. بعض الساعات الذكية تقيس الآن وقت الجلوس. إذا كانت ساعتك تفعل ذلك، استخدمها. اهدف لأقل من 8 ساعات إجمالاً، دون جلسة واحدة أطول من 30-60 دقيقة.
- اجعل الحركة سهلة. ضع كرة تمرين صغيرة تحت مكتبك، أو استخدم مكتباً قابلًا للتعديل بين الجلوس والوقوف. التغييرات البيئية الصغيرة يمكن أن تحدث فرقاً كبيراً على المدى الطويل.
- اشرب الماء. عندما تشرب المزيد من الماء، ستحتاج للوقوف للذهاب إلى الحمام بشكل أكثر تكراراً — وهذا يكسر الجلوس تلقائياً. كما أن الترطيب الجيد مفيد لصحتك بشكل عام.
- تمارين مكتبية. هناك تمارين بسيطة يمكنك القيام بها في مكتبك دون أن يلاحظ أحد. شد الرقبة، تدوير الكتفين، رفع الساقين — كل هذه تحافظ على حركة العضلات وتحسن الدورة الدموية.
الخلاصات العملية
- تُبعَت نحو 22,000 امرأة لمدة ثماني سنوات باستخدام قياسات دقيقة بأجهزة التسارع، وليس تقارير ذاتية.
- كان متوسط وقت الجلوس 9.5 ساعة يومياً — وكل زيادة رفعت خطر السرطان بنسبة 6% بشكل عام و10% للسرطانات المرتبطة بالنشاط.
- فترات الجلوس الطويلة غير المنقطعة رفعت الخطر أيضاً، مما يشير إلى أن تقسيم وقت الجلوس مهم.
- سكان الخليج يجلسون على الأرجح أكثر من المشاركات في الدراسة بسبب المناخ وأنماط الحياة المعتمدة على السيارات.
- تغييرات بسيطة — الوقوف كل 30 دقيقة، اجتماعات المشي، فترات نشاط أثناء وقت التلفزيون — يمكن أن تقلل خطرك.
- الدراسة ركزت على نساء أكبر سناً، لكن أبحاثاً سابقة تربط الجلوس الطويل بمخاطر صحية عبر جميع الفئات.
- رؤية 2030 السعودية تولي اهتماماً بالنشاط البدني، لكن التغيير يبدأ من القرارات الفردية اليومية.
- لا يمكنك تعويض ساعات الجلوس الطويل بتمرين قصير — المفتاح هو الحركة المستمرة على مدار اليوم.
- منظمة الصحة العالمية تعتبر الخمول البدني رابع أكبر عامل خطر للوفاة المبكرة عالمياً.
المصادر
- Hyde ET, Evenson KR, Howard AG, et al. Sitting time and risk of cancer incidence and cancer mortality in postmenopausal women: the Women’s Health Accelerometry Collaboration. Cancer Causes & Control. 2025;36(11):1417-1430. doi:10.1007/s10552-025-02024-0
- المجلة الدولية للأبحاث البيئية والصحة العامة. السلوك الخامل والنشاط البدني بين البالغين السعوديين. 2020.
إخلاء مسؤولية
هذا المقال لأغراض تعليمية فقط ولا يُشكّل نصيحة طبية. الدراسات المذكورة تشير إلى علاقات بين وقت الجلوس وخطر السرطان، لكنها لا تثبت أن الجلوس يسبب السرطان. استشر دائماً متخصص رعاية صحية قبل إجراء تغييرات كبيرة على مستوى نشاطك أو نمط حياتك. المعلومات المقدمة هنا لا تغني عن استشارة الطبيب المختص.
نشرة أكتيف أرابيا الأسبوعية
مقالة واحدة مبنية على دراسة محددة، كل أسبوع، إلى بريدك. بلا ضجيج.
لن نشارك بريدك. يمكنك إلغاء الاشتراك بضغطة واحدة.




