إذا كانت الأطعمة فائقة المعالجة حاضرة في مطبخك يومياً — من رقائق البطاطس والمشروبات الغازية إلى الخبز المعبأ والوجبات الجاهزة — فمن المهم أن تعرف خلاصة أكبر مراجعة علمية نُشرت عنها حتى الآن. المراجعة، التي نشرتها مجلة BMJ في فبراير 2024 وقادها باحثون من مركز «الغذاء والمزاج» في جامعة ديكن الأسترالية، جمعت نتائج 45 تحليلاً جامعاً شملت قرابة 10 ملايين شخص، ووجدت ارتباطاً مباشراً بين استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة و32 مؤشراً صحياً مختلفاً. النتائج لا تعني أن كل منتج معالج خطر على صحتك، لكنها تمثل أقوى إشارة علمية حتى الآن إلى أن هذه الأطعمة تستحق مراجعة جادة في نظامنا الغذائي اليومي.
ما هي الأطعمة فائقة المعالجة أصلاً؟
اعتمدت المراجعة على نظام «نوفا» (NOVA) لتصنيف الأطعمة، وهو الإطار الذي يستخدمه الباحثون لتصنيف الأطعمة حسب درجة معالجتها الصناعية لا حسب محتواها الغذائي. في القاعدة تأتي الأطعمة غير المعالجة أو المعالجة بأدنى حد: الفواكه والخضروات والبيض والأرز والبقوليات واللحوم الطازجة والحليب. تليها مكونات الطهي المعالجة مثل زيت الزيتون والزبدة والسكر والملح، ثم الأطعمة المعالجة مثل الخبز الطازج والأجبان والخضروات المعلبة.
أما الفئة الرابعة فهي الأطعمة فائقة المعالجة: تركيبات صناعية تُصنع في الغالب من مواد مستخلصة من الأطعمة أو مُصنَّعة في المصانع. المشروبات الغازية، والوجبات الخفيفة المعبأة، وحبوب الإفطار المحلاة، والنودلز سريعة التحضير، والخبز المنتج بكميات كبيرة، ومنتجات اللحوم المعاد تشكيلها — كلها تنتمي عادة إلى هذه الفئة. وأسهل طريقة للتعرف عليها ليست عبر الادعاءات المطبوعة على العبوة — فكلمات مثل «طبيعي» و«مصدر للألياف» تكثر على هذه المنتجات — بل عبر قائمة المكونات الطويلة التي تضم مواد قلّما توجد في مطبخ منزلي: مستحلبات، ومنكهات صناعية، وملونات، وبروتينات محللة، وزيوت مهدرجة.
ولكي تكتمل الصورة، إليك أمثلة يومية قريبة من مائدتك: العصائر المعبأة المحلاة بكثافة تنتمي غالباً إلى الفئة الرابعة، بينما الفاكهة الطازجة من الفئة الأولى. وشرائح الدجاج المقلية المعبأة والمجمدة تختلف اختلافاً جذرياً عن صدور الدجاج الطازجة، والمشروبات الغازية الخالية من السكر تبقى ضمن فئة الأطعمة فائقة المعالجة رغم خلوها من السعرات، لأنها تعتمد على محليات صناعية وإضافات متعددة. الفارق الحقيقي ليس في السعرات أو في الادعاءات التسويقية، بل في قائمة المكونات وطريقة التصنيع.
ماذا وجد تحليل الأطعمة فائقة المعالجة؟
قيّمت المراجعة مصداقية 45 تحليلاً جامعاً فريداً — منها 13 ارتباطاً من نوع الجرعة والاستجابة و32 ارتباطاً آخر — استُمدت من دراسات شملت في مجموعها 9,888,373 مشاركاً. وظهرت ارتباطات مباشرة بين التعرض للأطعمة فائقة المعالجة و32 مؤشراً صحياً، أي 71% من المؤشرات المدروسة، شملت الوفيات والسرطان والصحة النفسية والتنفسية والقلبية الوعائية والهضمية والأيضية.
أقوى الأدلة، المصنفة «مقنعة» من الدرجة الأولى، أشارت إلى أربع نتائج: ارتفاع خطر الوفاة بأمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة 50% (نسبة الخطر 1.50، فاصل الثقة 95% بين 1.37 و1.63)، وارتفاع خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني بنسبة 12% مع كل زيادة في التعرض (نسبة 1.12، فاصل الثقة بين 1.11 و1.13)، وارتفاع احتمالات القلق بنسبة 48% (نسبة الأرجحية 1.48)، وارتفاع احتمالات اضطرابات الصحة النفسية الشائعة بنسبة 53% (نسبة الأرجحية 1.53).
وفي المستوى الثاني «المرجَّح بقوة»، ارتبط الاستهلاك الأعلى بارتفاع خطر الوفاة من أي سبب بنسبة 21% (نسبة الخطر 1.21، فاصل الثقة بين 1.15 و1.27)، وارتفاع خطر الوفاة بأمراض القلب بنسبة 66% (نسبة الخطر 1.66، فاصل الثقة بين 1.51 و1.84)، وارتفاع خطر الاكتئاب بنسبة 22%، وارتفاع احتمالات السمنة بنسبة 55%، وارتفاع احتمالات اضطرابات النوم بنسبة 41%.
ومن اللافت أن الارتباطات لم تقتصر على صحة الجسم فقط، بل امتدت إلى الصحة النفسية، وهو ما يسلط الضوء على العلاقة المتشابكة بين النظام الغذائي والمزاج. ويؤكد معدّو المراجعة أن هذه النتائج توفر أساساً علمياً لتطوير إجراءات على مستوى الصحة العامة تهدف إلى تقليل التعرض الغذائي للأطعمة فائقة المعالجة، لكنها في الوقت نفسه تشدد على الحاجة الملحة إلى أبحاث تفكك الآليات البيولوجية الكامنة وراء هذه الارتباطات، التي لا تزال غير مفهومة بالكامل حتى الآن.
دراسة عالمية كبرى شاركت فيها السعودية
مراجعة BMJ ليست الدليل واسع النطاق الوحيد في هذا المجال. دراسة «بيور» (PURE) — واحدة من أكبر الدراسات الأترابية في العالم، ونُشرت في المجلة الأمريكية للتغذية السريرية عام 2023 — تابعت 138,076 بالغاً تتراوح أعمارهم بين 35 و70 عاماً، جميعهم دون تاريخ سابق لأمراض القلب والأوعية الدموية، في خمس قارات، ومنها السعودية حيث شارك مركز الملك فهد لأمراض القلب في جامعة الملك سعود بالرياض ومستشفى حتا في دبي في هذا التعاون العلمي.
على مدى متابعة وسطية بلغت 10.2 سنة، توفي 9,227 مشاركاً وأصيب 7,934 بحدث قلبي وعائي كبير. وتبيّن أن تناول حصتين أو أكثر يومياً من الأطعمة فائقة المعالجة — مقارنة بعدم تناولها إطلاقاً — ارتبط بارتفاع خطر الوفاة الإجمالي بنسبة 28% (نسبة الخطر 1.28، فاصل الثقة 95% بين 1.15 و1.42)، وارتفاع خطر الوفاة بأمراض القلب بنسبة 17%، وارتفاع خطر الوفاة من أسباب غير قلبية بنسبة 32%. لكن الارتباط بالأحداث القلبية الكبرى نفسها لم يصل إلى الدلالة الإحصائية — تفصيل مهم غالباً ما يغيب عن العناوين المثيرة.
لماذا يهم الموضوع في السعودية والخليج؟
أصبحت الأطعمة فائقة المعالجة والوجبات الجاهزة جزءاً راسخاً من العادات الغذائية اليومية في دول الخليج، حيث تدفع ساعات العمل الطويلة والمناخ الحار والتوسع الحضري السريع كثيرين نحو تطبيقات التوصيل والمنتجات المعبأة. والأبحاث السعودية بدأت تلحق بهذا الملف: دراسة من جامعة الملك عبد العزيز بجدة نُشرت عام 2025 في مجلة Frontiers in Nutrition فحصت 190 بالغاً سعودياً تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاماً، وصنفت وجباتهم الغذائية وفق نظام «نوفا» نفسه.
وجدت الدراسة أن الاستهلاك الأعلى للأطعمة فائقة المعالجة ارتفع معه مؤشر كتلة الجسم ومحيط الخصر، مع ارتفاع احتمالات زيادة الوزن إلى قرابة ثلاثة أضعاف (نسبة الأرجحية 2.966، فاصل الثقة 95% بين 1.86 و4.21) واحتمالات السمنة البطنية إلى أكثر من 2.5 ضعف (نسبة الأرجحية 2.610، فاصل الثقة بين 1.46 و3.97). العينة صغيرة ومقتصرة على مجتمع جامعي واحد، لذا يجب قراءة الأرقام بحذر — لكن اتجاه النتائج يتوافق مع الأدبيات العالمية، ويرى معدّو المراجعة الكبرى أن الأدلة تدعم إجراءات على مستوى الصحة العامة لتقليل التعرض الغذائي لهذه الأطعمة.
وتزداد أهمية هذا الملف مع الانتشار الواسع لتطبيقات توصيل الطعام والمشروبات المحلاة في المدن الخليجية، وسهولة الحصول على الوجبات الجاهزة على مدار الساعة، واعتماد كثير من الأسر على المنتجات المعبأة لتوفير الوقت. كل ذلك يجعل تقليل الأطعمة فائقة المعالجة تحدياً يومياً حقيقياً، لا مجرد نصيحة نظرية تُقال ثم تُنسى.
ما الذي لا تستطيع الدراسات إثباته بعد؟
رغم الأرقام المقلقة، تحتاج القراءة الأمينة للبحث إلى عدة تحفظات. أولاً، كل الدراسات المشمولة في المراجعة كانت رصدية، أي إنها تُظهر ارتباطات ولا تستطيع إثبات أن الأطعمة فائقة المعالجة تسبب مرضاً بعينه. الأشخاص الذين يستهلكون كميات أكبر من هذه الأطعمة يختلفون في جوانب أخرى أيضاً — الدخل والنوم والتدخين والنشاط البدني — ورغم أن الدراسات الأصلية صححت نتائجها إحصائياً وفقاً للعوامل المعروفة، يبقى احتمال تأثير عوامل أخرى غير مقاسة قائماً.
ثانياً، تقييمات جودة الأدلة التي أجراها الباحثون أنفسهم كانت واقعية: من أصل 45 تحليلاً، صُنفت 22 منخفضة الجودة و19 منخفضة جداً، و4 فقط بلغت درجة «متوسطة». لذا تستند أبرز نسب الخطر إلى أدلة يصنفها معدّو الدراسة أنفسهم محدودة. ثالثاً، صُنفت 13 من أصل 45 ارتباطاً بأنها بلا أدلة داعمة أصلاً. ودعا الباحثون إلى أبحاث عاجلة حول الآليات البيولوجية وإلى تجارب محكمة التصميم — تذكير بأن هذا المجال العلمي ما زال في طور النضج.
ومن التحفظات المنهجية أيضاً أن كثيراً من هذه الدراسات تعتمد على استبيانات غذائية يملؤها المشاركون بأنفسهم، وهي أداة معروفة بمحدوديتها: يصعب على أي شخص تذكر كل ما تناوله بدقة، كما أن تصنيف المنتجات وفق نظام «نوفا» قد يختلف أحياناً بين دراسة وأخرى. ومع ذلك، فإن اتساق النتائج عبر عشرات الدراسات وملايين المشاركين يمنح الصورة العامة وزناً يصعب تجاهله.
كيف تقلل استهلاكها دون تغيير جذري؟
إذا كان العلم لا يزال يحمل قدراً من عدم اليقين، فإن الخطوات العملية لا تحتاج إلى تعقيد. اقرأ قائمة المكونات: المنتجات ذات القائمة القصيرة من مكونات تعرفها من مطبخك تكون عادة أقل معالجة، بينما القوائم الطويلة التي تضم مستحلبات ومنكهات وملونات وبروتينات معزولة هي العلامة المميزة للمعالجة الفائقة. واستبدل بدل أن تحذف: التمر والمكسرات بدل البسكويت المعبأ، والزبادي الطبيعي مع الفاكهة بدل الحلويات السكرية، والدجاج المشوي الطازج بدل اللحوم المصنعة.
وتذكر أن ليس كل معالجة ضارة: البقوليات المعلبة والخضروات المجمدة والزبادي السادة خيارات عملية ومتاحة ومعالجة بأدنى حد. وتستحق المشروبات الغازية انتباهاً خاصاً، فهي من أكثر عادات الأطعمة فائقة المعالجة شيوعاً في المنطقة، وسعراتها السائلة لا تمنح شعوراً حقيقياً بالشبع. وإذا كان أطفالك يفضلون الوجبات الخفيفة المعبأة، فحاول إشراكهم في تحضير بدائل منزلية بسيطة — مثل قطع الفاكهة مع المكسرات أو الساندويتشات المنزلية — فالتغيير التدريجي داخل الأسرة أنجح من القرارات المفاجئة. وعند التسوق، ابدأ من أطراف المتجر حيث الخضروات والفواكه والبروتينات الطازجة، بدل الممرات الوسطى المخصصة غالباً للمنتجات المعبأة. ولا داعي للكمال: تقليل التكرار — من يومياً إلى أسبوعياً مثلاً — إنجاز يُحسب لك على المدى الطويل. والمطبخ السعودي والخليجي التقليدي — الأرز واللحوم المشوية وشوربات العدس والسلطات والتمر — يقوم في أغلبه على مكونات كاملة طبيعية، وهي ميزة حقيقية تستحق البقاء في صميم الأسبوع. لمزيد من الأدلة العملية، يمكنك الاطلاع على مقالات ذات صلة أو تصفح المزيد من المقالات.
خلاصة وخطوات عملية
- مراجعة BMJ لـ 45 تحليلاً شملت قرابة 10 ملايين شخص وجدت ارتباطاً مباشراً بين الأطعمة فائقة المعالجة و32 مؤشراً صحياً.
- أقوى الأدلة ربطتها بالوفاة بأمراض القلب والسكري من النوع الثاني والقلق واضطرابات الصحة النفسية الشائعة.
- في دراسة «بيور» التي شملت 138,076 بالغاً في خمس قارات، ارتبط تناول حصتين أو أكثر يومياً بارتفاع خطر الوفاة بنسبة 28% خلال 10 سنوات تقريباً.
- دراسة سعودية في شباب بالغين ربطت الاستهلاك الأعلى بارتفاع ملحوظ في احتمالات زيادة الوزن والسمنة البطنية.
- معظم الأدلة رصدية ومنخفضة الجودة، فالارتباط لا يعني إثبات التسبب.
- خطوات عملية: اقرأ قائمة المكونات، واستبدل الوجبات الخفيفة المعبأة بأطعمة كاملة، وحافظ على الوجبات المنزلية التقليدية محوراً لأسبوعك.
المصادر
- Lane MM et al. Ultra-processed food exposure and adverse health outcomes: umbrella review of epidemiological meta-analyses — The BMJ, 2024
- Dehghan M et al. Ultra-processed foods and mortality: analysis from the PURE study — American Journal of Clinical Nutrition, 2023
- Alomari WD, Almoraie NM. Ultra-processed food intake and obesity risk factors in Saudi adults — Frontiers in Nutrition, 2025
المعلومات الواردة في هذا المقال للأغراض التثقيفية فقط ولا تُغني عن استشارة الطبيب المختص أو أخصائي التغذية المعتمد قبل إجراء تغييرات كبيرة في نظامك الغذائي.




