كشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة Cell Reports عام 2021 أن توزيع البروتين في الوجبات على مدار اليوم يلعب دوراً حاسماً في بناء الكتلة العضلية، وليس مجرد كمية البروتين الإجمالية. فما هو التوقيت الأمثل لتناول البروتين؟ ولماذا يعتبر بروتين الإفطار أهم من بروتين العشاء؟
دراسة تكشف: بروتين الإفطار أهم من بروتين العشاء
أجرى فريق بحثي ياباني بقيادة الدكتور شينيا أوياما من جامعة واسيدا دراسة شاملة شملت أكثر من 50,000 بالغ ياباني تتراوح أعمارهم بين 40 و79 عاماً، على مدار سبع سنوات كاملة. نُشرت نتائج هذه الدراسة في يوليو 2021، ووجدت أن تناول البروتين في وجبة الإفطار ارتبط بشكل أقوى بكتلة العضلات الهيكلية مقارنة بتناوله في وجبة العشاء.
وأظهرت النتائج أن المشاركين الذين تناولوا كمية متساوية من البروتين في الإفطار والعشاء حافظوا على كتلة عضلية أكبر بشكل ملحوظ مقارنة بأولئك الذين ركزوا معظم بروتينهم في العشاء. هذا الاكتشاف يتحدى الممارسة الشائعة في الثقافة العربية والخليجية، حيث تميل وجبة العشاء إلى أن تكون الأكبر والأغنى بالبروتين، مع أطباق مثل المندي والكبسة والمظبي.
وقد لاحظ الباحثون أن الفرق في كتلة العضلات بين المجموعتين كان واضحاً حتى بعد التعديل بعوامل مثل العمر، الجنس، مؤشر كتلة الجسم، ومستوى النشاط البدني. هذا يعني أن تأثير توزيع البروتين مستقل عن هذه العوامل الأخرى.
ساعة العضلات: لماذا التوقيت مهم؟
فسّر الباحثون هذه النتائج من خلال ما أسموه “ساعة العضلات” — وهي الساعة البيولوجية الداخلية في الأنسجة العضلية. تشير الدراسات إلى أن العضلات تكون أكثر استجابة لتخليق البروتين في ساعات الصباح والمبكرة من النهار، مما يجعل البروتين المتناول في الإفطار أكثر فعالية في تحفيز بناء العضلات.
وأظهرت التجارب المخبرية التي أجراها فريق أوياما أن الخلايا العضلية المعزولة تستجيب للأحماض الأمينية بشكل أقوى في الصباح مقارنة بالمساء، حتى عند تقديم نفس الكمية تماماً. هذا يعني أن نفس الكمية من البروتين قد تنتج نتائج مختلفة تماماً اعتماداً على وقت تناولها.
وتعمل ساعة العضلات من خلال تنظيم التعبير الجيني للبروتينات المسؤولة عن تخليق البروتين العضلي. في الصباح، تكون هذه الجينات أكثر نشاطاً، مما يجعل الخلايا العضلية أكثر قدرة على استخدام الأحماض الأمينية لبناء أنسجة عضلية جديدة. أما في المساء، فتقل هذه الاستجابة بشكل ملحوظ.
الحد الأقصى لكل وجبة: هل هناك سقف؟
تشير الأبحاث إلى أن الجسم يستطيع الاستفادة القصوى من حوالي 25-30 غراماً من البروتين عالي الجودة في الوجبة الواحدة لتحفيز تخليق البروتين العضلي. تناول أكثر من هذا الحد في وجبة واحدة لا يعني بالضرورة بناء عضلات أكثر، بل قد يُستخدم كطاقة أو يُخزّن كدهون.
لذلك، بدلاً من تناول 80 غراماً من البروتين في وجبة العشاء فقط، يُفضّل توزيعها على أربع وجبات تحتوي كل منها على 20-25 غراماً. هذا النهج يُعرف بـ”توزيع البروتين المتساوي” وقد أثبتت فعاليته في تعزيز تخليق البروتين العضلي على مدار اليوم.
ومن الأمثلة العملية على وجبات تحتوي على 25 غراماً من البروتين: ثلاث بيضات مع كوب زبادي يوناني في الإفطار، أو 100 غرام صدر دجاج مشوي مع سلطة في الغداء، أو كوب عدس مع قطعة جبن في وجبة خفيفة.
تطبيقات عملية للمجتمع الخليجي
في الثقافة الغذائية السعودية والخليجية، تُعتبر وجبة العشاء عادة الوجبة الرئيسية الغنية بالبروتين، مع أطباق مثل المندي والكبسة والمظبة. لكن نتائج هذه الدراسة تقترح إعادة النظر في هذا النمط التقليدي.
إليك بعض التطبيقات العملية التي يمكن دمجها بسهولة في النظام الغذائي اليومي:
- أضف البيض أو اللبن (الزبادي) إلى وجبة الإفطار لرفع محتوى البروتين إلى 25 غراماً على الأقل. يمكنك تناول ثلاث بيضات مسلوقة مع كوب زبادي يوناني.
- استخدم الفول أو الحمص كخيارات إفطار غنية بالبروتين النباتي. كوب واحد من الفول يوفر حوالي 15 غراماً من البروتين.
- قلل كمية البروتين في العشاء قليلاً وزد وجبة الغداء. بدلاً من قطعة كبيرة من اللحم في العشاء، وزعها بين الغداء والعشاء.
- اعتبر وجبة خفيفة بعد التمرين تحتوي على 20-25 غراماً من البروتين، مثل مخفوق البروتين أو كوب حليب مع موز.
- حضّر وجبات خفيفة غنية بالبروتين مسبقاً، مثل مكسرات مع زبادي، أو جبنة قريش مع خيار.
القيود والاعتبارات
رغم قوة هذه الدراسة وحجم العينة الكبير، يجب مراعاة بعض القيود المهمة. أولاً، الدراسة رصدية ولا تثبت السببية بشكل قاطع — فقد تكون هناك عوامل أخرى غير مقاسة تفسر العلاقة. ثانياً، شملت الدراسة سكاناً يابانيين وقد لا تنطبق النتائج بالكامل على مجموعات سكانية أخرى ذات أنماط غذائية مختلفة، مثل المجتمعات العربية.
ثالثاً، لم تقيس الدراسة نوع البروتين (حيواني مقابل نباتي) بالتفصيل، رغم أن بعض الدراسات تشير إلى أن البروتين الحيواني قد يكون أكثر فعالية في تحفيز تخليق البروتين العضلي بسبب محتواه الأعلى من الحمض الأميني ليوسين.
كما أن العوامل الأخرى مثل النشاط البدني، النوم، والعمر تلعب أدواراً مهمة في الحفاظ على الكتلة العضلية. توزيع البروتين هو عامل واحد فقط من منظومة متكاملة، ولا يمكن أن يعوّض عن نقص في العوامل الأخرى.
الخلاصة: توزيع البروتين في الوجبات لبناء عضلات أقوى
تُظهر الأبحاث أن توزيع البروتين في الوجبات بشكل متساوٍ على مدار اليوم، مع التركيز على وجبة الإفطار، قد يكون أكثر فعالية لبناء والحفاظ على الكتلة العضلية مقارنة بتركيز البروتين في وجبة واحدة. هذا الاكتشاف البسيط يمكن أن يُحدث فرقاً كبيراً في صحتك العضلية على المدى الطويل.
التوصية العملية هي: احرص على تناول 25-30 غراماً من البروتين عالي الجودة في كل وجبة رئيسية، بدءاً من الإفطار. وزّع مصادر البروتين على مدار اليوم بدلاً من تحميلها في وجبة واحدة. وادمج هذا مع تمارين المقاومة والنوم الكافي للحصول على أفضل النتائج. تذكر أن التغييرات الصغيرة في توقيت الوجبات يمكن أن تُحدث فرقاً كبيراً في صحتك العامة. وابدأ بتعديل بسيط واحد هذا الأسبوع، مثل إضافة بيضة إضافية إلى إفطارك. ومع الوقت، ستلاحظ فرقاً واضحاً في مستويات الطاقة والكتلة العضلية. استمر على هذا النمط لمدة شهر كامل على الأقل لتقييم النتائج بشكل دقيق.
المصادر
• Aoyama S, Kim HK, Hirooka R, et al. “Distribution of dietary protein intake in daily meals influences skeletal muscle hypertrophy via the muscle clock.” Cell Reports. 2021;36(1):109336. doi:10.1016/j.celrep.2021.109336.
• Murphy CH, Oikawa SY, Phillips SM. “Dietary protein to maintain muscle mass in aging: a case for per-meal protein recommendations.” J Frailty Aging. 2016;5(4):228-234. doi:10.14283/jfa.2016.80.
• Nunes EA, Colenso-Semiones L, McKendry J, et al. “Systematic review and meta-analysis of protein intake to support muscle mass and function in healthy adults.” J Cachexia Sarcopenia Muscle. 2025. doi:10.1002/jcsm.13933.
لمزيد من المقالات حول الأبحاث والدراسات العلمية، تابعوا موقعنا. اقرأ أيضاً: مراقبة تقلب معدل القلب وحمل التدريب.
نشرة أكتيف أرابيا الأسبوعية
مقالة واحدة مبنية على دراسة محددة، كل أسبوع، إلى بريدك. بلا ضجيج.
لن نشارك بريدك. يمكنك إلغاء الاشتراك بضغطة واحدة.




