في 15 مايو 2025، أصدرت منظمة الصحة العالمية تقريرها السنوي «الإحصاءات الصحية العالمية 2025». بدل تناثر أرقام من مصادر متفرّقة، يقدّم هذا التقرير صورة موحّدة ومُدقَّقة لحال صحة العالم، وخلاصته صادمة: العالم «رسب في فحصه الصحي السنوي» على حدّ تعبير قيادة المنظمة. هذا المقال يستعرض أبرز أرقام التقرير كما وردت فيه، ويضعها في سياق منطقتنا، مع الإشارة الصريحة إلى ما تعنيه — وما لا تعنيه — هذه الإحصاءات.
أكبر تراجع في متوسط العمر المتوقّع منذ عقود
بين عامَي 2019 و2021، انخفض متوسط العمر المتوقّع عالمياً بمقدار 1.8 عام — أكبر تراجع في التاريخ الحديث، محا نحو عقد كامل من التقدّم. السبب المباشر جائحة كوفيد-19، لكن الرقم يكشف هشاشة المكاسب الصحّية أمام صدمة واحدة. للمقارنة: بين عامَي 2000 و2019 كان متوسط العمر المتوقّع قد ارتفع 6.3 أعوام (من 66.8 إلى 73.1)، وارتفع «العمر الصحّي المتوقّع» (سنوات الحياة بصحة جيّدة) 5.4 أعوام. جزء كبير من هذا التقدّم جاء من خفض وفيات الأمراض المعدية وسوء التغذية واعتلالات ما حول الولادة، وهي مكاسب تحقّقت عبر تدخّلات معروفة ومنخفضة الكلفة نسبياً: مياه نظيفة، وتطعيمات، ومضادّات حيوية، ورعاية أساسية للأمّ والطفل. حين تراجعت هذه المكاسب في 2020–2021، لم يكن السبب أن العلم فقد فعاليته، بل أن الأنظمة الصحّية انشغلت بالجائحة وتعطّلت سلاسل الرعاية الروتينية. هذا يوضّح أن الصحّة العامة ليست إنجازاً يُحقَّق مرّة، بل توازن يحتاج صيانةً مستمرّة.
الصحة النفسية تلتهم مكاسب الأمراض المزمنة
من أكثر أرقام التقرير دلالةً: الزيادة في القلق والاكتئاب المرتبطة بالجائحة قلّصت «العمر الصحّي المتوقّع» عالمياً بمقدار ستة أسابيع — وهو ما محا معظم المكاسب المتحقّقة في الفترة نفسها من انخفاض وفيات الأمراض غير السارية. بعبارة أخرى، ما ربحه العالم بعلاج أفضل لأمراض القلب والسكري والسرطان، خسره تقريباً بتدهور الصحة النفسية. هذا لا يعني أن الاكتئاب «يعادل» مرض القلب، بل أن عبء الاعتلال النفسي على نوعية الحياة صار كبيراً بما يكفي ليظهر في حسابات على مستوى الكوكب.
الاعتلالات النفسية — خصوصاً القلق والاكتئاب — من أكثر أسباب «سنوات العيش مع الإعاقة» شيوعاً في كل الأعمار تقريباً، وتبدأ غالباً في مرحلة مبكّرة من العمر: يظهر نصف الاضطرابات النفسية قبل منتصف العشرينيات. ومع ذلك تبقى فجوة العلاج واسعة في معظم دول العالم، إذ لا يحصل كثير من المصابين على رعاية كافية، بسبب نقص الخدمات أو الوصمة الاجتماعية أو ضعف الوعي بأن هذه حالات طبّية قابلة للعلاج. في منطقتنا، حيث ما زال الحديث عن الصحّة النفسية محاطاً بالحرج أحياناً، يمثّل هذا الرقم دعوةً لإعادة النظر: طلب المساعدة النفسية ليس ضعفاً بل قرار صحّي مثل مراجعة الطبيب لأي عرض جسدي.
الأمراض غير السارية: العبء الأكبر اليوم
وفق التقرير، باتت الأمراض غير السارية — القلب والأوعية، السكري، السرطان، الأمراض التنفّسية المزمنة — مسؤولةً عن معظم الوفيات بين من هم دون السبعين حول العالم. والعالم «خارج المسار» لتحقيق هدف خفض الوفيات المبكرة بهذه الأمراض بمقدار الثلث بحلول 2030. هذه النقطة تخصّ منطقتنا مباشرةً: إقليم شرق المتوسط (الذي تصنّفه المنظمة) يواجه معدّلات مرتفعة من السمنة والسكري وارتفاع ضغط الدم وقلّة النشاط البدني، وكلها محرّكات رئيسية لهذه الأمراض. كما يتركّز فيه، مع الإقليم الأفريقي، نحو 70% من النقص العالمي المتوقّع في الكوادر الصحّية (11.1 مليون عامل صحّي بحلول 2030).
الأمومة والطفولة: تقدّم توقّف
بين عامَي 2000 و2023 انخفضت وفيات الأمهات نحو 40% ووفيات الأطفال دون الخامسة نحو 50%. لكن هذا التقدّم توقّف. ويحذّر التقرير من أن العالم، دون تدخّل، يخاطر بخسارة فرصة منع نحو 700 ألف وفاة أمومة إضافية و8 ملايين وفاة طفل دون الخامسة بين 2024 و2030. كذلك لم تعُد تغطية تطعيمات الطفولة إلى مستويات ما قبل الجائحة بحلول 2023.
ما الفرق بين «متوسط العمر» و«العمر الصحّي»؟
يخلط كثيرون بين المؤشّرين. «متوسط العمر المتوقّع عند الولادة» هو العدد المتوقّع لسنوات الحياة إجمالاً. أما «العمر الصحّي المتوقّع» (HALE) فهو عدد السنوات المتوقّع أن يعيشها الشخص بصحّة جيّدة، دون إعاقة أو مرض مُعطِّل. الفجوة بينهما — نحو عشر سنوات عالمياً — تمثّل سنوات تُقضى مع اعتلال مزمن. وهذه الفجوة لا تتقلّص كثيراً، بل تتّسع أحياناً، لأن الطبّ الحديث بارع في إطالة الحياة أكثر من براعته في ضغط سنوات المرض إلى نهايتها. الهدف الصحّي الأذكى ليس «سنوات أكثر» فقط، بل «سنوات صحّية أكثر»، وهذا ما تقيسه سياسات الوقاية.
عوامل خطر أخرى يرصدها التقرير
إلى جانب الأمراض، يتابع التقرير محرّكاتها. تلوّث الهواء (المحيط والمنزلي معاً) يبقى من أكبر المخاطر البيئية على الصحّة، ويرتبط بملايين الوفيات سنوياً من أمراض القلب والرئة والسكتة. حوادث الطرق تظلّ سبباً رئيسياً للوفاة بين الشباب، وهي قضيّة بارزة في عدد من دول المنطقة. استهلاك التبغ يتراجع عالمياً لكن ببطء، ولا يزال يقتل أكثر من ثمانية ملايين شخص سنوياً. وترتفع السمنة لدى البالغين والأطفال في معظم الأقاليم، ومنها إقليم شرق المتوسط، مدفوعةً بأنماط غذائية وحضرية متغيّرة. هذه العوامل مترابطة: مدينة تسهّل المشي وركوب الدرّاجة وتقلّل التلوّث وحوادث الطرق تحسّن عدّة مؤشّرات دفعةً واحدة.
لماذا يهمّ إقليم شرق المتوسط تحديداً؟
تصنّف منظمة الصحة العالمية دول المنطقة العربية ضمن «إقليم شرق المتوسط»، وهو إقليم يجمع تبايناً حادّاً: دول ذات دخل مرتفع ومنظومات صحّية متقدّمة، وأخرى تعاني نزاعات وهشاشة نُظُم. لكن سمة مشتركة تبرز في تقارير المنظمة: «العبء المزدوج» — استمرار بعض تحدّيات الأمراض المعدية وسوء التغذية، مع صعود سريع للأمراض غير السارية. في دول الخليج تحديداً، تُعدّ السمنة والسكري من الأعلى عالمياً، ونسبة قلّة النشاط البدني بين البالغين مرتفعة، ويُقدَّر أن جزءاً كبيراً من العبء المرضي قابل للوقاية عبر تعديل نمط الحياة والكشف المبكّر. رؤى التنمية الوطنية في المنطقة (ومنها رؤية السعودية 2030) وضعت رفع مستوى النشاط البدني وخفض السمنة ضمن أهدافها الصحّية المعلنة، وهو اعتراف رسمي بحجم المشكلة.
ماذا تعني هذه الأرقام فعلاً؟
الإحصاءات على مستوى العالم أدوات لرصد الاتجاهات وتوجيه السياسات، لا وصفات فردية. ثلاث ملاحظات مهمّة عند قراءتها:
أولاً، المتوسّطات تخفي تفاوتاً هائلاً: الفارق في متوسط العمر المتوقّع بين أعلى الدول وأدناها يتجاوز 30 عاماً، وداخل الدولة الواحدة تختلف الأرقام بين المناطق والفئات الاقتصادية. الرقم العالمي لا يصف حياتك أنت.
ثانياً، كثير من هذه المؤشّرات تقديرية، تُبنى على نماذج إحصائية تملأ فجوات البيانات في دول لا تملك أنظمة تسجيل مكتملة. لذلك تصدر أحياناً مراجعات لأرقام سنوات سابقة، وهذا جزء طبيعي من العمل لا خطأ فيه.
ثالثاً، «الارتباط» بين عامل ونتيجة لا يعني بالضرورة «السببية». حين يقول تقرير إن إقليماً يعاني معدّلات مرتفعة من مرض ما، فهذا مؤشّر لأولوية صحّية عامة، لا حكم على أي فرد فيه.
رابعاً، التقرير يرصد «حتى تاريخ نشره»؛ فبيانات 2025 تعكس غالباً وضع 2021–2023، ويستغرق جمع المؤشّرات العالمية وتدقيقها وقتاً. لذلك قد لا يظهر أثر أي تحسّن حديث إلا في تقارير السنوات القادمة. قراءة رقم واحد بمعزل عن اتجاهه عبر السنوات تضلّل أكثر ممّا تفيد.
الرسالة المشجّعة في التقرير
رغم قتامة العناوين، يؤكّد التقرير أن «التقدّم السريع ممكن»: دول عديدة أظهرت أنها تستطيع خفض وفيات الأمومة والطفولة، وتوسيع التغطية الصحّية، وكبح عوامل الخطر، خلال سنوات قليلة حين توفّرت الإرادة والاستثمار. كما تجاوز العالم أحد أهداف «المليارات الثلاثة» للمنظمة: نحو 1.4 مليار شخص يعيشون حياة أكثر صحّة مقارنةً بخطّ الأساس، متجاوزين هدف المليار. وحصل نحو 431 مليون شخص إضافي على خدمات صحّية أساسية دون ضائقة مالية، وأصبح نحو 637 مليوناً أكثر حمايةً في الطوارئ الصحّية.
الدرس أن الاتجاهات ليست قدراً. حين انخفض متوسط العمر المتوقّع بفعل الجائحة، عاد للارتفاع في كثير من الدول بمجرّد انحسارها والتوسّع في التطعيم. والمؤشّرات التي تحسّنت بين 2000 و2019 لم تتحسّن صدفةً، بل عبر برامج محدّدة: مكافحة الملاريا والسل والإيدز، وتحسين تغذية الأطفال، وتوسيع رعاية الحمل والولادة. ما يصلح على مستوى الدولة يصلح، بصورة مصغّرة، على مستوى الأسرة والفرد: تدخّلات صغيرة متّسقة تُراكم أثراً كبيراً مع الوقت.
ماذا يمكن للفرد أن يفعل؟
أغلب عبء الأمراض غير السارية يعود إلى حفنة من عوامل الخطر القابلة للتعديل: التدخين، والنظام الغذائي غير الصحّي، وقلّة النشاط البدني، والإفراط في الكحول، وارتفاع ضغط الدم وسكر الدم ودهون الدم غير المضبوطة. هذه ليست شعارات؛ إنها العوامل نفسها التي تقف خلف الأرقام الكبيرة في التقرير. التحكّم بها على المستوى الفردي لا يغيّر إحصاءة عالمية، لكنه يغيّر احتمالاتك أنت بشكل ملموس.
تشير دراسات أترابية كبيرة إلى أن الجمع بين أربعة أو خمسة عوامل نمط حياة منخفضة الخطر — عدم التدخين، ووزن صحّي، ونشاط بدني منتظم، ونظام غذائي جيّد، واعتدال في الكحول أو الامتناع عنه — يرتبط بسنوات إضافية من الحياة خالية من السكري وأمراض القلب والسرطان، تُقدَّر بعشر سنوات أو أكثر مقارنةً بعدم تبنّي أيٍّ منها. هذا لا يعني ضماناً فردياً — فالوراثة والحظّ والبيئة تلعب أدواراً — لكنه يوضّح حجم ما يمكن تحريكه بقرارات يومية بسيطة ومتراكمة.
الكشف المبكّر جزء لا يقلّ أهمّية. كثير من الأمراض غير السارية تتطوّر صامتةً لسنوات: ارتفاع الضغط لا يُؤلم، وارتفاع السكر قد لا يُشعر به، وبعض السرطانات تُكتشف مبكراً عبر فحوص روتينية بسيطة. الفحص الدوري بحسب العمر وعوامل الخطر يحوّل مرضاً كان سيُكتشف متأخّراً إلى حالة يمكن ضبطها.
خطوات عملية
- افحص ضغط دمك وسكرك ودهون دمك دورياً: هذه «القتلة الصامتون» خلف معظم وفيات القلب المبكرة، وضبطها مبكراً يغيّر المسار.
- تحرّك 150–300 دقيقة أسبوعياً: قلّة النشاط من أبرز محرّكات الأمراض غير السارية في منطقتنا، وأيّ حركة أفضل من لا شيء.
- لا تتجاهل صحّتك النفسية: التقرير يوثّق ثقلها على نوعية الحياة؛ طلب المساعدة المتخصّصة ليس ترفاً.
- أقلع عن التبغ بكل أشكاله: يبقى من أكبر أسباب الوفاة القابلة للوقاية عالمياً.
- راجع تغذيتك: تقليل الأطعمة فائقة المعالجة والسكّريات والملح الزائد يعالج عدّة عوامل خطر في وقت واحد.
- خذ لقاحاتك في مواعيدها: تراجع تغطية التطعيم أحد تحذيرات التقرير، والوقاية أرخص وأأمن من العلاج.
- اقرأ الأرقام بوعي: المتوسّط العالمي اتجاه عام، لا توقّع شخصي؛ حالتك تحدّدها عواملك أنت ومتابعتك الطبّية.
خلاصة الأمر أن «الإحصاءات الصحية العالمية 2025» ترسم صورة قلقة: مكاسب عقد ضاعت في عامين، وأمراض مزمنة تتقدّم، وصحّة نفسية متدهورة. لكنها تؤكّد أيضاً أن المسار قابل للتصحيح — على مستوى الدول بالسياسات والاستثمار، وعلى مستوى الأفراد بضبط عوامل الخطر المعروفة والالتزام بالفحص الدوري وطلب الرعاية في وقتها.
المصادر
- WHO warns of slowing global health gains in new statistics report (15 May 2025) — World Health Organization
- World Health Statistics 2025: Monitoring health for the SDGs — World Health Organization
- Priority Health Conditions and Global Life Expectancy Disparities — PMC
المعلومات الواردة في هذا المقال للأغراض التثقيفية فقط ولا تُغني عن استشارة الطبيب المختص.
نشرة أكتيف أرابيا الأسبوعية
مقالة واحدة مبنية على دراسة محددة، كل أسبوع، إلى بريدك. بلا ضجيج.
لن نشارك بريدك. يمكنك إلغاء الاشتراك بضغطة واحدة.




