فيما يخص العلاقة بين زيت الزيتون وطول العمر، أصبحت الأدلة الآن ساحقة. كشفت دراسة رائدة نُشرت في مايو 2025 في دورية JAMA Internal Medicine، وتتبعَت أكثر من 221,000 بالغ أمريكي لمدة تصل إلى 33 عاماً، أن كل زيادة بمقدار 5 غرامات يومياً من استهلاك زيت الزيتون ارتبطت بانخفاض خطر الوفاة الإجمالية بنسبة 8%. أجرت البحث فريق من علماء كلية هارفارد تي. تشان للصحة العامة، ويضيف إلى مجموعة متزايدة من الأدلة التي تشير إلى أن هذا الرابط هو من أكثر النتائج ثباتاً في علم الأوبئة التغذوي. وتُعد هذه الدراسة أكبر تحليل طويل الأمد يُجرى حتى الآن حول العلاقة بين الزيوت النباتية ومخاطر الوفاة. فهل يمكن لإضافة ملعقة واحدة فقط من زيت الزيتون إلى نظامك الغذائي اليومي أن تساعدك على العيش لفترة أطول؟
دراسة هارفارد: 33 عاماً من البيانات حول زيت الزيتون ومخاطر الوفاة
حللت الدراسة بيانات من ثلاث مجموعات أمريكية كبيرة: دراسة صحة الممرضات (1990-2023)، ودراسة صحة الممرضات الثانية (1991-2023)، ودراسة متابعة المتخصصين في الصحة (1990-2023). وساهم هؤلاء المشاركون البالغ عددهم 221,054 مشاركاً بتوثيق أكثر من 50,932 حالة وفاة خلال فترة المتابعة، مما يجعلها واحدة من أكبر وأطول التحقيقات في الدهون الغذائية والوفيات التي أُجريت على الإطلاق. وكان متوسط أعمار المشاركين عند بدء الدراسة 56.1 سنة في مجموعة الممرضات، و36.1 سنة في المجموعة الثانية، و56.3 سنة في مجموعة المتخصصين.
بعد التعديل عوامل الخطر الرئيسية بما في ذلك العمر والتدخين والنشاط البدني ومؤشر كتلة الجسم وجودة النظام الغذائي العام، وجد الباحثون أن المشاركين الذين تناولوا أعلى كميات من الزيوت النباتية — بما في ذلك زيت الزيتون وزيت الكانولا وزيت فول الصويا — كانوا أقل عرضة لخطر الوفاة الإجمالية بنسبة 16% مقارنة بأولئك الذين تناولوا أقل كميات (نسبة الخطر 0.84؛ فترة الثقة 95% من 0.79 إلى 0.90). وأظهر زيت الزيتون تحديداً نسبة خطر تبلغ 0.92 لكل زيادة يومية بمقدار 5 غرامات، مما يعني أن كل ملعقة صغيرة إضافية قللت خطر الوفاة الإجمالية بنحو 8%. كما ارتفع كل.increment بمقدار 10 غرامات يومياً من الزيوت النباتية بانخفاض خطر الوفاة بالسرطان بنسبة 11% وانخفاض خطر الوفاة بأمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة 6%.
ولعل الأكثر لفتاً للانتباه هو تحليل الاستبدال: فإن استبدال 10 غرامات يومياً من الزبدة بكمية مساوية من الزيوت النباتية ارتبط بانخفاض خطر الوفاة الإجمالية بنسبة 17% وانخفاض خطر الوفاة بالسرطان بنسبة 17% أيضاً. وفي المقابل، ارتبط أعلى تناول للزبدة بزيادة خطر الوفاة الإجمالية بنسبة 15% (نسبة الخطر 1.15). نُشرت النتائج في مايو 2025 وأُشير إليها منذ ذلك الحين باعتبارها بعضاً من أقوى الأدلة المستقبلية على الآثار الوقائية لزيت الزيتون والزيوت النباتية.
لماذا يرتبط زيت الزيتون وطول العمر: آلية عمل البوليفينول
تمتد الآليات البيولوجية وراء الآثار الصحية لزيت الزيتون إلى أبعد من محتواه من الدهون الأحادية غير المشبعة. يحتوي زيت الزيتون البكر الممتاز على أكثر من 30 مركباً فينولياً محدداً، بما في ذلك الأوليوروبين والهيدروكسي تيروسول والأوليوكانثال، والتي تعمل كمضادات قوية للأكسدة والالتهابات. وتتفاوت كمية هذه المركبات بشكل كبير حسب نوع الزيت وطريقة استخراجها وتخزينها، حيث يحتفظ الزيت البكر الممتاز بتركيزات أعلى بكثير مقارنة بالزيت المكرر.
وجدت دراسة إسبانية أُجريت عام 2023 ونُشرت في دورية Clinical Nutrition، وتابعَت 12,161 بالغاً بمتوسط 12.5 سنة، أن ارتفاع تناول مجموعات محددة من مجموعات البوليفينول — الكثير منها وفير في زيت الزيتون — ارتبط بانخفاض خطر الوفاة الإجمالية بنسبة 20% وانخفاض ملحوظ في خطر الوفاة بأمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة 40%. حددت الدراسة التيروسولات والألكيل ميثوكسي فينولات والأحماض الهيدروكسي سيناميكية كالفئات الرئيسية من البوليفينول التي تقود هذه الفوائد، حيث كان زيت الزيتون أحد المصادر الغذائية الرئيسية إلى جانب القهوة والخضروات الورقية الخضراء. وشملت المصادر الأخرى للنبيذ الأحمر والزيتون الأخضر.
تعمل هذه البوليفينولات من خلال مسارات متعددة: فهي تقلل الإجهاد التأكسدي عن طريق تحييد الجذور الحرة، وتحسن وظيفة البطانة الداخلية للأوعية الدموية من خلال تعزيز التوافر البيولوجي لأكسيد النيتريك، وتنظم ملفات الدهون عن طريق تقليل أكسدة الكوليسترول الضار، وتمارس تأثيرات مضادة للالتهابات من خلال تثبيط مسارات إشارات العامل النووي كابا بي. كما أظهرت بعض الدراسات أن البوليفينولات قد تلعب دوراً في حماية الخلايا العصبية وتحسين الوظيفة الإدراكية. وأكدت مراجعة حديثة عام 2026 في British Journal of Pharmacology أجراها باحثون من جامعة فرايبورغ أن هذه الآليات تساهم بشكل جماعي في الآثار الوقائية الموثقة جيداً لنظام البحر الأبيض المتوسط الغذائي ضد أمراض القلب والأوعية الدموية والاضطرابات الأيضية والتدهور المعرفي.
زيت الزيتون في السياق الخليجي: تراث ثقافي يلتقي بالعلم الحديث
بالنسبة للقراء في المملكة العربية السعودية ومنطقة الخليج الأوسع، يحتل زيت الزيتون مكانة فريدة. فبينما كان حوض البحر الأبيض المتوسط تاريخياً المستهلك الرئيسي، إلا أن زراعة الزيتون واستهلاكه لهما جذور عميقة عبر شبه الجزيرة العربية، لا سيما في المناطق الغربية. كما شجعت برامج التنويع الزراعي في رؤية السعودية 2030 على زراعة الزيتون محلياً في مناطق مثل الباحة وعسير، حيث يدعم المناخ المعتدل في المرتفعات هذه الزراعة. وقد بدأت مزارع الزيتون السعودية في الإنتاج بكميات تجارية، مما يعزز توفر المنتج المحلي الطازج.
ومن الناحية العملية، لا يتطلب دمج زيت الزيتون في النظام الغذائي الخليجي التخلي عن الأطعمة التقليدية. فتقطير زيت الزيتون البكر الممتاز فوق الحمص والفول، أو استخدامه كأساس لتتبيلات السلطة مع الليمون والزعتر، أو استبداله بالزبدة والسمن في الطهي اليومي، كلها استراتيجيات بسيطة تتماشى مع التفضيلات الثقافية والأدلة العلمية على حد سواء. ويمكن أيضاً استخدام زيت الزيتون في تحضير الأطباق الشعبية مثل المسفوف والتبولة بديل عن الزيت النباتي المكرر.
ومن المهم الإشارة إلى أن الدراسات المذكورة أعلاه فحصت في الأساس مجموعات سكانية تتناول أنماطاً غذائية متوسطية. ولا يزال تعميم هذه النتائج على مجموعات سكانية ذات أنظمة غذائية أساسية مختلفة وخلفيات جينية وبيئات متباينة مجالاً نشطاً للبحث. وخلصت مراجعة شاملة نُشرت عام 2024 في دورية Foods، والتي جمعت 31 تحليلاً تلوياً حول زيت الزيتون والنتائج الصحية، إلى أنه رغم قوة الأدلة على فوائد القلب والأوعية الدموية، فإن هناك حاجة لمزيد من الدراسات على مجموعات سكانية أكثر تنوعاً لتشمل سكان منطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية.
كم مقدار زيت الزيتون الكافي؟ إرشادات عملية
تشير بيانات هارفارد إلى أن الفوائد المعنوية تبدأ عند مستويات استهلاك متواضعة نسبياً. فالزيادة بمقدار 5 غرامات يومياً المرتبطة بانخفاض خطر الوفاة بنسبة 8% تعادل تقريباً ملعقة صغيرة واحدة. واستخدمت دراسة بريدیمید، وهي تجربة إسبانية عشوائية محكومة رائدة، حوالي 30-50 ملليلتراً يومياً (أي ما يقرب من 2-3 ملاعق كبيرة) من زيت الزيتون البكر الممتاز كجزء من تدخل النظام الغذائي المتوسطي، ولاحظت انخفاضاً بنسبة 30% في أحداث القلب والأوعية الدموية الرئيسية بين المشاركين الذين اتبعوا النظام المتوسطي مقارنة بمجموعة التحكم.
وبالنسبة لمعظم البالغين، يبدو أن الهدف المتمثل في تناول 1-2 ملعقة كبيرة (15-30 ملليلتراً) من زيت الزيتون البكر الممتاز يومياً يمثل هدفاً عملياً يوازن بين الفائدة والسعرات الحرارية. يحتوي زيت الزيتون على حوالي 120 سعراً حرارياً لكل ملعقة كبيرة، لذا يجب أن يحل محل الدهون الأخرى في النظام الغذائي بدلاً من إضافته فوق نمط أكل غني بالدهون بالفعل. ويمكن تحقيق ذلك بسهولة عن طريق استبدال الزبدة المستخدمة في القلي الخفيف بزيت الزيتون، أو إضافة رشّة منه على الشوربات والأطباق الساخنة قبل التقديم مباشرة.
وتجدر الجودة أيضاً أهمية بالغة. يحتفظ زيت الزيتون البكر الممتاز ببوليفينولات أكثر بكثير من زيت الزيتون المكرر أو “الخفيف”، الذي يخضع لعمليات معالجة حرارية وكيميائية تجرده من العديد من المركبات النشطة بيولوجياً. ابحث عن زيوت تحمل علامة “بكر ممتاز” ومخزنة في زجاجات زجاجية داكنة لحمايتها من الضوء، وتحقق من تاريخ الحصاد على العبوة. واستهلكها خلال أشهر من الفتح لتحقيق أقصى محتوى من البوليفينولات، حيث تتأكسد هذه المركبات تدريجياً مع تعرضها للهواء.
قيود وتحفظات صادقة
رغم أن الأدلة مقنعة، إلا أن هناك عدة قيود تستحق الانتباه. أولاً، جميع دراسات الأتراب الكبيرة المذكورة هنا هي دراسات رصدية، مما يعني أنها يمكن أن تثبت الارتباط وليس السببية بشكل قاطع. فالأشخاص الذين يستهلكون مزيداً من زيت الزيتون قد يمارسون أيضاً سلوكيات صحية أخرى تؤثر على النتائج، مثل ممارسة الرياضة بانتظام وتناول مزيد من الخضروات والفواكه وتجنب الأطعمة المصنعة، رغم أن التعديل الشامل للعوامل المربكة في دراسة هارفارد يعالج هذا القلق جزئياً.
ثانياً، قيس تناول الغذاء باستخدام استبيانات تكرار الغذاء، التي تخضع لتحيز الاسترجاع وقد لا تلتقط الكميات الدقيقة بشكل كامل. ثالثاً، كانت المجموعات في الغالب من الأمريكيين والأوروبيين البيض ذوي الدخل المتوسط إلى المرتفع، وقد لا تعمم النتائج مباشرة على مجموعات عرقية أو اجتماعية اقتصادية أخرى ذات أنماط غذائية ووراثية مختلفة.
رابعاً، نوع زيت الزيتون المحدد مهم. لم تميز معظم الدراسات باستمرار بين زيت الزيتون البكر الممتاز والبكر والمكرر، رغم اختلاف محتوياتها من البوليفينولات بشكل كبير. ولاحظت مراجعة عام 2023 في Nutrition, Metabolism and Cardiovascular Diseases أجراها باحثون في مركز جامعة نيويورك لانغون الطبي أن “تقدماً قليلاً أُحرز في تحديد مكون أو مكونات زيت الزيتون الكامنة وراء الآثار الصحية المرصودة نظراً لعدم الإبلاغ عن التركيب وعدم الاتساق عبر الدراسات البشرية واسعة النطاق.” وهذا يسلط الضوء على الحاجة لمزيد من الأبحاث التي تميز بين أنواع زيت الزيتون المختلفة.
نقاط عملية للبدء من اليوم
- كل 5 غرامات (تقريباً ملعقة صغيرة واحدة) من زيت الزيتون يومياً ارتبطت بانخفاض خطر الوفاة الإجمالية بنسبة 8% في دراسة هارفارد التي امتدت 33 عاماً وشملت 221,000 شخص.
- استبدال الزبدة بزيت الزيتون أو زيوت نباتية أخرى ارتبط بانخفاض خطر الوفاة الإجمالية بنسبة 17% وانخفاض خطر الوفاة بالسرطان بنسبة 17%.
- بوليفينولات زيت الزيتون — خاصة التيروسولات والأحماض الهيدروكسي سيناميكية — ترتبط بانخفاض يصل إلى 40% في خطر الوفاة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
- استهدف تناول 1-2 ملعقة كبيرة (15-30 ملليلتراً) من زيت الزيتون البكر الممتاز يومياً كهدف عملي يمكنك تحقيقه بسهولة.
- اختر زيت الزيتون البكر الممتاز في زجاجات زجاجية داكنة وتحقق من تاريخ الحصاد، واستهلكه خلال أشهر من الفتح لتحقيق أقصى محتوى من البوليفينولات.
- هذه النتائج مبنية على بيانات رصدية — يجب أن يكمل زيت الزيتون ممارسات صحية أخرى مبنية على أدلة، لا أن يحل محلها، بما في ذلك النشاط البدني المنتظم والنوم الكافي وإدارة التوتر.
المصادر
- Zhang Y, Chadaideh KS, Li Y, et al. “Butter and Plant-Based Oils Intake and Mortality.” JAMA Internal Medicine, May 2025;185(5):549-560. doi: 10.1001/jamainternmed.2025.0205 — https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/40048719/
- Mérida DM, Vitelli-Storelli F, Moreno-Franco B, et al. “Polyphenol intake and mortality: A nationwide cohort study.” Clinical Nutrition, 2023;42(7):1076-1085. doi: 10.1016/j.clnu.2023.05.020 — https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/37290979/
- Chiavarini M, et al. “Health Outcomes Associated with Olive Oil Intake: An Umbrella Review.” Foods, 2024;13(16):2619. doi: 10.3390/foods13162619 — https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/39200546/
- Schwingshackl L, et al. “Updates on Mediterranean diet: active ingredients and pharmacological mechanisms.” British Journal of Pharmacology, 2026;183(13):3484-3502. doi: 10.1111/bph.70441 — https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/42002540/
إخلاء مسؤولية: هذا المقال لأغراض تعليمية فقط ولا يشكل نصيحة طبية. استشر متخصص رعاية صحية مؤهل قبل إجراء تغييرات كبيرة على نظامك الغذائي، خاصة إذا كنت تعاني من حالات صحية موجودة أو تتناول أدوية. المعلومات المقدمة هنا لا تغني عن الاستشارة الطبية المتخصصة.
نشرة أكتيف أرابيا الأسبوعية
مقالة واحدة مبنية على دراسة محددة، كل أسبوع، إلى بريدك. بلا ضجيج.
لن نشارك بريدك. يمكنك إلغاء الاشتراك بضغطة واحدة.




