هل يمكن لطعامك أن يكون جزءاً من علاج الاكتئاب؟ سؤال الأكل والاكتئاب انتقل من هامش النقاش العلمي إلى قلبه في يناير 2017، عندما نشر باحثون أستراليون نتائج تجربة SMILES في مجلة BMC Medicine الطبية. الدراسة قادتها البروفيسورة فيليس جاكا من مركز IMPACT للأبحاث الاستراتيجية في جامعة ديكن الأسترالية، وكانت أول تجربة عشوائية مُحكمة تُصمَّم خصيصاً لاختبار سؤال جريء: هل تحسين النظام الغذائي، بإشراف أخصائيي تغذية، قادر على علاج بالغين يعانون نوبة اكتئاب كبرى؟ النتيجة الأبرز كانت لافتة: المشاركون الذين تلقوا سبع جلسات دعم غذائي تحسّنوا بدرجة أكبر بكثير على مقاييس الاكتئاب المعتمدة مقارنة بمن تلقوا القدر نفسه من الدعم الاجتماعي، ووصل نحو ثلثهم إلى مرحلة التعافي السريري. في هذا المقال نستعرض ما فعلته الدراسة بالضبط، وما الذي وجدته، وماذا تقول الأدلة العلمية التي بُنيت عليها منذ ذلك الحين.
لماذا بدأ العلماء يطرحون سؤال الطعام والاكتئاب؟
لعقود طويلة، عولجت اضطرابات المزاج شبه حصرياً بالعلاج النفسي أو الأدوية أو مزيج منهما. ومع ذلك يبقى الاكتئاب، كما وصفه باحثو الدراسة أنفسهم، اضطراباً نفسياً شديد الانتشار، وهناك نسبة ملموسة من المرضى لا تحصل إلا على تحسّن جزئي من العلاجات المتاحة، أو تواجه صعوبة في الوصول إليها أصلاً بسبب الكلفة أو نقص الخدمات أو الوصمة الاجتماعية المرتبطة بطلب المساعدة النفسية. في المقابل، كانت الدراسات الرصدية تشير باستمرار إلى اتجاه مثير للانتباه: الفئات التي تتبنى أنماطاً غذائية صحية تميل إلى الإبلاغ عن أعراض اكتئاب أقل. صحيح أن الدراسات الرصدية لا تستطيع إثبات أن الطعام يسبب الاكتئاب أو يعالجه؛ فمن يأكلون جيداً قد يكونون أيضاً أكثر حركة أو أفضل نوماً أو أيسر مادياً. لكن تكرار هذه العلاقة واتساقها في دراسات متعددة كان كافياً لتبرير اختبار أكثر صرامة: تجربة سريرية يكون الغذاء نفسه هو التدخل محل الاختبار.
ماذا نعرف عن الآليات المحتملة؟
يقرّ الباحثون بأن فهم الآليات ما يزال في مراحله الأولى، لكن تشير الأبحاث إلى مسارات محتملة تربط بين جودة الغذاء والمزاج، من بينها دور النظام الغذائي في منظومة الالتهاب في الجسم، وتأثيره على بكتيريا الأمعاء النافعة التي تتواصل مع الدماغ عبر ما يُعرف بمحور الأمعاء والدماغ، إضافة إلى دور العناصر الغذائية في إنتاج النواقل العصبية المرتبطة بالمزاج. ولأن النمط الغذائي المتوسطي الذي اعتمدت عليه الدراسة غني بالخضروات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات وزيت الزيتون والأسماك، فإنه يزوّد الجسم بمغذّيات يحتاجها الدماغ في عمله اليومي، مثل أحماض أوميغا-3 الدهنية وفيتامينات ب ومعادن كالمغنيسيوم والزنك. هذه مسارات مقترحة من أدلة متراكمة وليست تفسيراً محسوماً بعد، ولهذا يركّز مقالنا على ما أثبتته التجربة السريرية نفسها من نتائج، لا على وعود نظرية لم تنضج بعد. والمهم عملياً أن هذه الآليات المقترحة تجعل تحسين جودة الغذاء تدخلاً منطقياً قابلاً للاختبار، وهو ما فعلته تجربة SMILES بدقة غير مسبوقة في وقتها.
كيف صُممت تجربة SMILES؟
كانت SMILES تجربة عشوائية مُحكمة أحادية التعمية، جماعية التوازي، امتدت اثني عشر أسبوعاً وأُجريت في مدينة ملبورن الأسترالية. قيّم الفريق البحثي أهلية 166 شخصاً، ثم أشرك 67 بالغاً يعانون اكتئاباً متوسطاً إلى شديد ويبلغون عن سوء جودة نظامهم الغذائي، وقُسّموا عشوائياً إلى مجموعتين: 33 في مجموعة التدخل الغذائي و34 في المجموعة الضابطة. مجموعة التدخل التقت فردياً بأخصائية تغذية سريرية على مدى سبع جلسات خلال الأسابيع الاثني عشر، وتبع كل مشارك خطة غذائية شخصية معدّلة من حمية البحر الأبيض المتوسط أطلق عليها الباحثون اسم ModiMedDiet. أما المجموعة الضابطة فتلقّت زيارات دعم اجتماعي مطابقة تماماً للجدول نفسه والمدة ذاتها، وهو خيار تصميمي مقصود حتى لا يُعزى أي فرق محتمل إلى مجرد الاهتمام والتواصل الإنساني. وقِيست شدة الاكتئاب قبل التجربة وبعدها باستخدام مقياس مونتغمري-آسبرغ للاكتئاب (MADRS)، وهو أداة يقيّمها الطبيب المعالج واعُتمدت مقياساً أساسياً للنتائج. والأهم أن التحسين الغذائي اختُبر بوصفه إضافة إلى العلاج المعتاد وليس بديلاً عنه؛ إذ كان 55 من أصل 67 مشاركاً يتلقون شكلاً من أشكال العلاج أثناء الدراسة، سواء علاجاً نفسياً أو دوائياً أو كليهما معاً.
الأكل والاكتئاب: النتائج بالأرقام
خلال الأسابيع الاثني عشر، تحسّنت مجموعة الدعم الغذائي على مقياس MADRS بدرجة أكبر بكثير من مجموعة الدعم الاجتماعي، وأُبلغ عن الفرق بوصفه ذا دلالة إحصائية (أقل من 0.001)، وبحجم تأثير بلغ نحو 1.16 انحراف معياري، وهو رقم كبير جداً في الدراسات السلوكية التي نادراً ما تسجل تأثيرات بهذا الحجم. أكثر الأرقام لفتاً للانتباه كان معدل التعافي، المُعرَّف بالحصول على درجة اكتئاب أقل من 10: فقد تحقق لدى 32.3 في المئة من أفراد المجموعة الغذائية (10 من بين 31 مشاركاً توفرت لديهم بيانات كاملة) مقابل 8.0 في المئة فقط في المجموعة الضابطة (2 من 25). وحسب الباحثون ما يُعرف بـ”عدد المرضى الذين يلزم علاجهم لتحقيق نتيجة إضافية واحدة” فكان 4.1، أي أنه مقابل كل أربعة أشخاص تقريباً يتلقون الدعم الغذائي يصل شخص إضافي واحد إلى التعافي ما كان ليصل إليه لولا التدخل. كما كان الالتزام لافتاً: أكمل 93.9 في المئة من المجموعة الغذائية التجربة حتى نهايتها مقابل 73.5 في المئة في مجموعة الدعم الاجتماعي، مما يشير إلى أن التدخل كان مقبولاً فعلاً لدى أشخاص يعيشون مع الاكتئاب، وهذه نقطة مهمة لأن كثيراً من التدخلات النفسية تصطدم بعقبة الاستمرار. ويُعدّ مقياس MADRS من أكثر الأدوات استخداماً لدى الأطباء لتقدير شدة الأعراض الاكتئابية خلال المقابلة السريرية، وهو يتناول جوانب مثل المزاج المنخفض والتوتر الداخلي وصعوبات النوم والشهية؛ وحين نقول إن مشاركاً حقق التعافي فإن معنى ذلك أن أعراضه هبطت إلى مستوى قريب من الطبيعي عملياً.
ماذا حدث بعد الدراسة؟ صورة أدلة تتضح
تجربة واحدة صغيرة لا يمكن أن تكون الكلمة الفصل، ولذلك فإن الأدلة الأوسع مهمة. في عام 2019 نشر فريق بقيادة الباحث جوزيف فيرث مراجعة منهجية وتحليلاً تلويّاً في مجلة Psychosomatic Medicine النفسية الجسدية، جمعا ست عشرة تجربة عشوائية محكمة شملت بيانات نتائج 45,826 مشاركاً. النتيجة: التدخلات الغذائية خفّضت أعراض الاكتئاب بدرجة ذات دلالة إحصائية، وإن كان حجم التأثير العام متواضعاً (0.162 وفق مقياس هيدجز)، وثبتت الفائدة في التجارب الأعلى جودة وأمام مجموعات ضابطة نشطة وغير نشطة على حد سواء. وهناك تفصيلان يستحقان التوقف عندهما: أولاً، لم يجد التحليل التلوي أي تأثير ذا دلالة للتدخلات الغذائية على أعراض القلق، فمن يبحث عن علاج للقلق تحديداً لا ينبغي أن يعوّل على الغذاء وحده. ثانياً، أظهرت الدراسات التي شملت عينات نسائية فوائد أكبر بدرجة واضحة من التدخلات الغذائية على أعراض الاكتئاب والقلق معاً، وهو ما يستدعي مزيداً من البحث لفهم أسبابه. ومن جهة أخرى، نشر فريق SMILES ورقة لاحقة وصفت بروتوكول ModiMedDiet بالتفصيل، وأظهرت أن جودة النظام الغذائي لدى المشاركين تحسّنت تحسناً كبيراً خلال التجربة، وأن هذا التحسّن الغذائي ترافق مع التغيّر في أعراض الاكتئاب. وفي ردّ نُشر عام 2018 على انتقادات علمية، أكّد مؤلفو الدراسة أن نتائجها تم تكرارها إلى حد كبير في دراسات لاحقة.
التحفظات التي يذكرها الباحثون بصدق
لا يقدّم أي عالم جاد دراسة SMILES بوصفها دليلاً على أن الطعام يشفي الاكتئاب، والقيود حقيقية ويجب ذكرها بوضوح. فقد اشتركت في التجربة 67 مشاركاً فقط في موقع واحد، والتجارب الصغيرة معروفة علمياً بالمبالغة في تقدير التأثيرات. كما جادل منتقدون نشروا تعقيباً في مجلة BMC Medicine عام 2018 بأن التأثير الكبير جداً قد يعكس جزئياً عامل التوقع؛ إذ كان المشاركون يعرفون أنهم يتلقون علاجاً جديداً واعداً، وطرحوا أسئلة حول أساليب استقطاب المشاركين. وجاء التحليل التلوي اللاحق بتأثير إجمالي أكثر تواضعاً بكثير مما رصدته SMILES منفردة، كما أن معظم تجاربه ضمّت عينات غير سريرية تعاني أعراضاً أخف من الاكتئاب السريري. وكان المتطوعون أيضاً أشخاصاً مستعدين لتغيير غذائهم أصلاً، لذا قد لا تنطبق النتائج على كل مصاب بالاكتئاب. كل هذا لا يمحو النتيجة، لكنه يضع التحسين الغذائي في الموضع الذي تضعه الأدلة الحالية فيه: إضافة واعدة ومنخفضة المخاطر إلى الرعاية القياسية، لا بديلاً عن إشراف الطبيب أو المعالج النفسي.
ماذا يعني هذا عملياً لقرائنا في المنطقة؟
الجميل في هذه النتائج أنها لا تتطلب أطعمة باهظة أو منتجات مستوردة؛ فأنماط الأكل القريبة من حمية البحر المتوسط تتقاطع أصلاً مع كثير من مكونات المطبخ في منطقتنا: زيت الزيتون، والبقوليات، والخضروات الطازجة، والأسماك، والحبوب الكاملة، والفواكه. تحسين جودة الغذاء أيضاً تدخل منخفض الكلفة نسبياً ومنخفض المخاطر، ويمكن البدء به مهما كانت ظروفك، إلى جانب العلاج الذي تتلقاه. ولأن التغيير الغذائي الحقيقي يحتاج وقتاً ودعماً، فإن الاستعانة بأخصائي تغذية مؤهل — عندما يتاح ذلك — قد تصنع الفرق بين محاولة عابرة والتزام مستدام. وبما أن البعد العائلي والاجتماعي للطعام مركزي في منطقتنا، فإن تحسين جودة الأكل لا يلزم أن يكون رحلة فردية: مشاركة العائلة في طهوٍ صحي أكثر، واختيار خيارات أفضل في المناسبات والتجمعات، وتعديل الوصفات التقليدية تدريجياً لتكون أقرب إلى النمط المتوسطي، كلها مسارات عملية مستدامة تتلاءم مع حياتنا اليومية أفضل من الحميات القاسية المنعزلة. ولمزيد من السياق حول العادات اليومية الداعمة للصحة النفسية، يمكنك الاطلاع على المزيد من المقالات.
خلاصة عملية وخطوات قابلة للتطبيق
- تعامل مع جودة النظام الغذائي بوصفها أداة من عدة أدوات: التجربة اختبرت تحسين الغذاء إلى جانب العلاج المعتاد، لا بديلاً عنه.
- حسّن نمط أكلك ككل بدل مطاردة عنصر غذائي واحد: التدخل كان نظاماً متوسطياً شخصياً متكاملاً، لا مكملاً غذائياً.
- الإشراف المهني يصنع الفارق: الجلسات قدّمتها أخصائية تغذية سريرية مؤهلة، وليست حمية ذاتية عشوائية.
- امنح نفسك وقتاً: استمرت التجربة اثني عشر أسبوعاً، فتوقّع تغيّراً تدريجياً لا انقلاباً فورياً في المزاج.
- اضبط سقف التوقعات بشأن القلق: الأدلة المجمّعة لم تجد تأثيراً ذا دلالة للتدخل الغذائي على أعراض القلق.
- لا توقف أي دواء أو علاج نفسي موصوف لك دون إشراف طبي.
المصادر
- Jacka FN et al. A randomised controlled trial of dietary improvement for adults with major depression (the SMILES trial). BMC Medicine, 2017
- النص الكامل لدراسة SMILES (إتاحة مفتوحة). BMC Medicine
- Firth J et al. The Effects of Dietary Improvement on Symptoms of Depression and Anxiety: A Meta-Analysis of Randomized Controlled Trials. Psychosomatic Medicine, 2019
- Opie RS et al. A modified Mediterranean dietary intervention for adults with major depression. Nutritional Neuroscience, 2018
- Molendijk ML et al. The SMILES trial: do undisclosed recruitment practices explain the remarkably large effect? BMC Medicine, 2018
المعلومات الواردة في هذا المقال للأغراض التثقيفية فقط ولا تُغني عن استشارة الطبيب المختص أو مقدم خدمات الصحة النفسية. إذا كنت تعاني الاكتئاب، فاستشر طبيباً أو مختصاً قبل إجراء أي تغيير على علاجك.




